ذكاء اصطناعي

أكبر محطم ذرات في العالم يكتشف جسيمًا “جميلًا” نادرًا قد يغيّر فهمنا لبدايات الكون

فريق العمل
فريق العمل

4 د

اكتشف مصادم الهادرونات الكبير لأول مرة "انتهاك الشحنة والتكافؤ" (CP violation) في جسيم باريوني يُدعى "بيوتي-لامبدا باريون".

يُعتقد أن هذا النوع من الاختلال السبب في نجاة المادة من الفناء الكامل بعد الانفجار العظيم.

أظهرت الدراسة فرقًا في معدلات التحلل بين الجسيم ونظيره المضاد بنسبة 2,45%، بدلالة إحصائية 5,2 سيغما.

يمهد الاكتشاف الطريق للبحث عن فيزياء جديدة تتجاوز النموذج القياسي السائد.

في تطور تاريخي قد يغير فهمنا لنشأة الكون، أعلن علماء الفيزياء في مصادم الهادرونات الكبير (LHC) التابع لمنظمة CERN في جنيف عن اكتشاف نوع جديد من الانتهاك في التماثل بين المادة وضديدها، يُعرف باسم "انتهاك الشحنة والتكافؤ" (CP violation)، وذلك في جسيم نادر يُدعى "بيوتي-لامبدا باريون".

هذا الاكتشاف، الذي وُصف بأنه الأول من نوعه، قد يكون المفتاح لفهم أحد أكبر الألغاز الكونية: لماذا يهيمن وجود المادة في الكون على حساب المادة المضادة، رغم أن الانفجار العظيم أنتجهما بكميات متساوية تقريبًا.


لغز كوني قديم

منذ عقود، حيّر العلماء سؤال جوهري: لماذا لم تؤدِ الاصطدامات بين المادة والمادة المضادة في بداية الكون إلى إفناء كلي للطرفين؟ النظرية الأكثر قبولًا حتى الآن تفترض وجود اختلال طفيف في التوازن بين المادة وضديدها، سببه "انتهاك التماثل بين الشحنة والتكافؤ" في بعض التفاعلات النووية الضعيفة. لكن المشكلة أن الكمية المتوقعة من هذا الانتهاك وفقًا لنموذج "المعيار القياسي" لفيزياء الجسيمات لا تكفي لتفسير كمية المادة الموجودة حاليًا.

حتى وقت قريب، رُصد هذا النوع من الانتهاك فقط في جسيمات تُعرف بـ"الميسونات" – وهي جسيمات تتكون من كوارك وكوارك مضاد. لكن "الباريونات" – الجسيمات الثلاثية الكوارك مثل البروتونات والنيوترونات التي تشكل أغلب المادة المرئية في الكون – لم تُظهر مثل هذا السلوك من قبل.


الاكتشاف: انتهاك التماثل في جسيم ثلاثي الكوارك

ما كشف عنه علماء تجربة LHCb في مصادم الهادرونات الكبير يُغير المعادلة. فقد أظهرت تحليلاتهم أن جسيمًا يُدعى "بيوتي-لامبدا باريون" (وهو أحد أقارب البروتونات والنيوترونات لكنه غير مستقر وسريع الزوال)، يتحلل بمعدل مختلف عن نظيره المضاد للمادة.

يقول فينتشنزو فانيوني، المتحدث باسم تجربة LHCb، في بيان رسمي:


"السبب وراء تأخر اكتشاف انتهاك CP في الباريونات مقارنة بالميسونات يعود إلى صغر حجم التأثير وكمية البيانات المطلوبة. لقد استغرق الأمر تحليل أكثر من 80 ألف عملية تحلل لباريون الجمال لنرصد هذا الاختلال لأول مرة".


من "حساء البلازما" إلى هيمنة المادة

وفقًا للنموذج الكوني القياسي، فإن اللحظات الأولى بعد الانفجار العظيم كانت عبارة عن "مرق" كثيف من الجسيمات والمضادات تتفاعل وتفنى باستمرار. نظريًا، كان ينبغي أن تفني المادة والمادة المضادة بعضها بالكامل، مما يترك كونًا فارغًا. لكن حدوث اختلال طفيف – مثل الذي اكتُشف الآن – قد يكون هو السبب في نجاة بعض المادة، ومن ثم تكوّن النجوم والمجرات والحياة.


كيف تم الاكتشاف؟

حلل فريق LHCb بيانات ضخمة جمعت بين عامي 2009 و2018، حيث كان المصادم يُنتج نحو 25 مليون تصادم بروتوني في الثانية. وركز الباحثون على ملاحظة تحلل "بيوتي-لامبدا باريونات" إلى بروتون، وكاون، وزوج من البيونات ذات الشحنات المعاكسة. وبالمثل، تتبعوا تحللات نظائرها من المادة المضادة.

النتائج كانت لافتة: أظهر الفرق بين عدد تحللات الجسيم ونظيره المضاد انحرافًا بمعدل 2.45% عن الصفر، مع هامش خطأ قدره 0.47%. وقد وصلت هذه النتيجة إلى مستوى دلالة إحصائية قدره 5.2 سيغما – وهي العتبة الذهبية المعتمدة في الفيزياء للإعلان عن اكتشاف علمي جديد.


ماذا بعد هذا الاكتشاف؟

يمثل هذا الاكتشاف نقطة انطلاق جديدة للبحث عن فيزياء تتجاوز النموذج القياسي، الذي طالما فشل في تفسير بعض الظواهر الكونية. ومن المقرر أن يستأنف المصادم نشاطه عام 2030، مع تحديثات تقنية تُمكّنه من جمع بيانات أكثر دقة وعمقًا حول مثل هذه الظواهر.

يعلق فانيوني قائلًا:


"كلما زادت الأنظمة التي نرصد فيها انتهاك CP وكلما تحسنت دقة القياسات، ازدادت فرصنا لاختبار النموذج القياسي واكتشاف فيزياء جديدة خارجه. إن هذا الرصد الأول لانتهاك CP في تحلل باريون يفتح الباب أمام أبحاث نظرية وتجريبية أوسع لفهم طبيعة هذا الاختلال."

ذو صلة

في النهاية، لا يفتح هذا الإنجاز العلمي فقط نافذة لفهم أصول الكون، بل يعيد تشكيل تصوراتنا حول الأسس التي يقوم عليها الواقع المادي نفسه. فالنموذج القياسي، رغم نجاحه الكبير في تفسير العديد من الظواهر، لا يزال عاجزًا عن تقديم إجابات شافية عن أصل التوازن الكوني الذي سمح بوجودنا.

ربما يقود هذا النوع من الاكتشافات إلى بناء نموذج فيزيائي جديد يُعيد كتابة القوانين الأساسية التي تحكم الكون. وحتى يحين ذلك، يبقى مصادم الهادرونات الكبير شاهدًا على حدود الإدراك البشري، وسعيه الدائم لفهم أعمق للحقيقة الكونية.

ذو صلة