دوّامة في السماء: حلقة سحابية عملاقة ترسم لغزًا جويًا فوق المحيط الهادئ

3 د
رصدت ناسا حلقة سحابية نادرة ومنتظمة فوق المحيط الهادئ تمتد لمسافة 280 ميلاً، التُقطت عبر قمر "تيرا" الصناعي.
تشكلت السحابة بفعل خلية مغلقة من الحمل الحراري، في تفاعل جوي محلي ناتج عن حرارة سطح المحيط أو جزيرة صغيرة.
يعد ظهور هذه الخلية بشكل منفرد حدثاً غير معتاد، ويشير إلى ظروف بيئية دقيقة واستثنائية.
تُسلّط هذه الظاهرة الضوء على أهمية الأقمار الصناعية في كشف أنماط مناخية معقدة لا يمكن رصدها من سطح الأرض.
في مشهد جوي نادر ومذهل، التقط القمر الصناعي "تيرا" التابع لوكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" صورة لحلقة سحابية عملاقة ومتناظرة بشكل شبه مثالي، تعوم وحيدة فوق مياه المحيط الهادئ، على بعد آلاف الكيلومترات جنوب غرب جزر هاواي. وتمتد هذه التشكيلة السحابية المدهشة على مساحة شاسعة تبلغ نحو 280 ميلاً (أي ما يعادل 450 كيلومتراً)، ما يجعلها من بين أضخم وأوضح الظواهر السحابية التي تم توثيقها على الإطلاق من الفضاء.
وعلى الرغم من أن الصور التي التقطتها ناسا تعود إلى عام 2014، إلا أن هذه الظاهرة لم تلقَ الانتباه اللازم إلا مؤخراً، بعد أن اعتُبرت واحدة من أكثر الأنماط البصرية المثيرة في سجل التكوينات الجوية التي شوهدت من المدار الفضائي، ما أعاد إشعال اهتمام العلماء بدراسة ديناميكيات السحب النادرة في أعماق المحيطات.
سحابة "الخليّة المغلقة": أثر مباشر لدوامات الحمل الحراري
الصورة التي التقطها جهاز "MODIS" المثبت على القمر الصناعي "تيرا"، تُظهر ما يُعرف بخلية الحمل الحراري من نوع "رايلي-بنار"، وهي ظاهرة تحدث عندما ترتفع كتل من الهواء الدافئ إلى الأعلى، بينما تهبط الكتل الباردة نحو الأسفل، ما يؤدي إلى نشوء أنماط دائرية من السحب المتشكّلة بفعل حركة الهواء بين درجات حرارة متفاوتة.
وفي هذه الحالة الفريدة، أدت الظاهرة إلى تشكل ما يُعرف بالسحابة "المغلقة الخلية" (closed-cell cloud)، حيث تتكثف السحب في مركز التشكيل، بينما تبقى الحواف الخارجية خالية نسبياً من الغيوم. وتُعد هذه التشكيلات السحابية أكثر كثافة وأقل شيوعاً من نظيراتها المفتوحة الخلية، التي غالباً ما تُشبه خلية نحل مفرغة ومزخرفة.
ظهور منفرد وسط محيط شاسع: فرادة الحدث تكشف عن ظروف بيئية خاصة
الطابع الاستثنائي في هذه الظاهرة لا يكمن فقط في شكلها الدائري المتناظر، بل في كونها تشكلت بشكل معزول تماماً، دون وجود تشكيلات سحابية مشابهة بالقرب منها، على عكس ما هو معتاد في مثل هذه الحالات. فغالباً ما تتشكل هذه الخلايا الحرارية في مجموعات متكررة تمتد عبر مساحات واسعة من السماء.
ويُرجّح العلماء في "مرصد الأرض" التابع لناسا أن السبب الكامن وراء هذا الحدث النادر هو وجود رقعة محلية من المياه المحيطية المسخّنة بشدة، أو جزيرة صغيرة تصدر حرارة كافية لتحفيز الاضطراب الجوي. فقد أدى الهواء الدافئ الصاعد إلى تشكل سحب ركامية أمطرت خفيفاً، مما تسبب في تبريد الهواء المحيط بها، فهبط هذا الهواء إلى الأسفل وتوسع أفقياً. وعندما وصل إلى المناطق الأكثر دفئاً، دفع الهواء الساخن المحيط إلى الأعلى، ما تسبب في نشوء حركة دائرية شكلت هذه الحلقة السحابية المثالية.
تأثير خفي لمنطقة "الالتقاء الاستوائي": محيط مضطرب خلف واجهة هادئة
اللافت أن هذه الظاهرة الجوية الفريدة ظهرت في منطقة تقع جنوب ما يُعرف بـ"منطقة التقارب بين المدارية" (Intertropical Convergence Zone - ICZ)، وهي منطقة ذات ضغط جوي منخفض قريبة من خط الاستواء، تشتهر بعواصفها الرعدية المستمرة وأمطارها الاستوائية الغزيرة. ورغم أن المنطقة لم تكن في قلب الحدث، إلا أن تأثيراتها غير المباشرة قد تكون لعبت دوراً في توفير الرطوبة والاضطراب الرأسي اللازمين لتشكل الخلية السحابية المنفردة.
وقد ساهمت زاوية أشعة الشمس في تعزيز المشهد البصري اللافت، حيث انعكس الضوء مباشرة عن سطح المحيط، محدثاً ما يُعرف بـ"توهّج الشمس" (sunglint)، وهو تأثير بصري يجعل سطح الماء يبدو كمرآة متلألئة بالفضة السائلة. وهذا التأثير لا يحدث إلا عندما تصطف زاوية الشمس تماماً مع عدسة القمر الصناعي، ما جعل الصورة أكثر روعة وإبهاراً.
من ظاهرة غير مرئية إلى ركيزة علمية لفهم أنماط الطقس العالمية
حتى عام 1961، لم يكن العلماء يملكون تصوراً واضحاً عن السلوك الهندسي المنظم للغيوم فوق سطح الأرض، إلى أن أطلقت ناسا أول قمر صناعي لرصد الطقس "TIROS-1"، وهو ما مهد الطريق لاكتشاف هذه الخلايا السحابية ذات البنى الهندسية الدقيقة.
ومع تراكم البيانات على مدار العقود اللاحقة، أصبحت صور مثل هذه تشكّل مرجعاً أساسياً لفهم ديناميكيات الطقس على نطاق واسع. فهي لا تساهم فقط في تحسين التنبؤات الجوية، بل تُستخدم أيضاً في تحسين النماذج المناخية المتعلقة بالحمل الحراري، والهطول، والتفاعلات المعقدة بين الغلاف الجوي والمحيطات.