ذكاء اصطناعي

زلزال علمي في عمق المحيط الهندي: نقطة بركانية عملاقة في حركة مستمرة تهزّ فهمنا لتاريخ الصفائح التكتونية

فريق العمل
فريق العمل

4 د

تم اكتشاف أن "نقطة كيرغولين الساخنة" تحركت مئات الكيلومترات عبر ملايين السنين، خلافًا للاعتقاد السائد.

استخدمت الدراسة تقنيات تأريخ إشعاعي وتصوير زلزالي ثلاثي الأبعاد لرصد حركة النقطة الساخنة بدقة.

يقوّض التحرك المكتشف نظرية "ثبات النقاط الساخنة"، ما يؤثر على نماذج حركة الصفائح التكتونية.

يفتح الاكتشاف الباب لإعادة فهم سلاسل بركانية أخرى وربما يعيد تشكيل تصوراتنا عن تاريخ الأرض الجيولوجي.

في تطور علمي قد يُعيد رسم خرائطنا الجيولوجية، كشف باحثون عن مفاجأة مدوّية تحت أمواج المحيط الهندي: سلسلة نينتي إيست البركانية، التي تُعدّ الأطول من نوعها على سطح الأرض، ليست ثابتة كما كان يُعتقد سابقًا، بل تتحرك منذ ملايين السنين. هذا التحرك قد ينسف نظريات مستقرة منذ عقود حول آلية عمل باطن الأرض وسلوك الصفائح التكتونية.


تفاصيل الاكتشاف العلمي

نشرت مجلة Nature Communications دراسة حديثة تؤكد أن مصدر هذه السلسلة البركانية، المعروف باسم "النقطة الساخنة كيرغولين" (Kerguelen Hotspot)، لم يكن مستقراً كما افترض الجيولوجيون طويلاً، بل انزاح على امتداد مئات الكيلومترات في باطن الأرض. هذا التحرك داخل الوشاح الأرضي (المانتل) شكّل تحولًا جذريًا في فهم العلماء لتاريخ الأرض التكتوني.

أحد أبرز المشاركين في الدراسة، الدكتور هوغو أوليروك من جامعة كيرتن الأسترالية، أوضح أن:


"تحرك النقاط الساخنة بهذا الشكل كان يُشتبه به منذ وقت طويل، لكن إثباته كان صعبًا". وأضاف أن "النقطة الساخنة كيرغولين انحرفت بوضوح داخل الوشاح العلوي للأرض، على عكس النموذج الكلاسيكي الذي يفترض ثباتها النسبي".


سلسلة نينتي إيست: من نموذج مستقر إلى ظاهرة متحركة

تمتد سلسلة نينتي إيست على مسافة تزيد عن 5,000 كيلومتر في قاع المحيط الهندي، وقد كانت تُعتبر نموذجًا مثاليًا لتفسير نشوء سلاسل الجبال البحرية بفعل نقاط ساخنة ثابتة. إذ افترض العلماء أن الصفيحة الهندية تحركت شمالًا فوق نقطة كيرغولين الثابتة، ما أدى إلى تشكّل هذا المسار البركاني المنتظم. لكن البيانات الجديدة نسفت هذا التصور بشكل قاطع.


أدوات البحث: التأريخ الإشعاعي والتصوير الزلزالي

لبناء خريطة زمنية دقيقة لتحركات النقطة الساخنة، استخدم الباحثون تقنية التأريخ الإشعاعي باستخدام نظائر الأرجون (⁴⁰Ar/³⁹Ar)، وهي تقنية معروفة بدقتها في تحديد أعمار تدفقات الحمم البركانية القديمة. كما استعان الفريق بتصوير زلزالي ثلاثي الأبعاد (Seismic Tomography)، وهو أشبه بمسح شعاعي للوشاح الأرضي.

ووفقًا للبيانات، فقد تغيّر اتجاه وموقع النقطة الساخنة قبل حوالي 35 مليون سنة، ويُرجّح أن السبب يعود إلى تفاعلها مع الحافة التكتونية الفاصلة بين الصفيحتين الهندية والقطبية الجنوبية.


آثار الاكتشاف على فهم حركة الصفائح التكتونية

لطالما اعتمدت الجيولوجيا الحديثة على فرضية "النقطة الساخنة الثابتة" كنقطة مرجعية لتتبع تحركات الصفائح التكتونية عبر العصور الجيولوجية. وكانت سلسلة نينتي إيست تمثل حجر الأساس لهذه النماذج. لكن مع ثبوت تحرك نقطة كيرغولين، باتت النماذج السابقة بحاجة إلى مراجعة جذرية.

البروفيسور فريد جوردان، أحد المشاركين في الدراسة، أشار إلى أن:


"التقديرات التقريبية لعمر سلسلة نينتي إيست لطالما استخدمت لتحديد اتجاهات حركة الصفائح الأرضية". وأكد أن "التأريخ الدقيق الآن يتيح لنا إعادة رسم هذه النماذج بدقة أعلى وفهم أعمق لحركة القارات القديمة".


أعمدة المانتل في حركة أفقية: نظرية جديدة تكتسب قوة

تتناول الدراسة أيضًا النظرية الجديدة التي تشير إلى أن "أعمدة المانتل" (mantle plumes)، التي يُعتقد أنها تصعد عموديًا من أعماق الأرض، قد تتحرك أفقيًا كذلك. في حالة كيرغولين، يبدو أن العمود البركاني انزاح جانبيًا داخل الوشاح العلوي، ربما نتيجة لتفاعلات حدود الصفائح أو تيارات الحمل الحراري الداخلية.

يدعم هذا الاكتشاف نظرية متنامية مفادها أن النقاط الساخنة ليست بالضرورة ثابتة، بل قد تتحرك ببطء تبعًا للبنية الجيوديناميكية المحيطة بها.


تأثيرات أوسع على فهم تاريخ الأرض الجيولوجي

إن هذا الاكتشاف لا يغيّر فقط فهمنا لحركة سلسلة نينتي إيست، بل يفرض مراجعة أوسع لنظريات الانجراف القاري وأنماط الحمل الحراري في باطن الأرض وتاريخ تطور سطح الكوكب. ففكرة أن النقاط الساخنة قد تكون متنقلة تعني أن سلاسل بركانية أخرى – خصوصًا في المحيط الهادئ – قد تكون بدورها نتاجًا لحركات مماثلة لم تُرصد بعد.


كيف يغيّر هذا الاكتشاف نظرتنا لباطن الأرض؟

ذو صلة

ما كان يُعتقد أنه من الثوابت الجيولوجية – ثبات النقاط الساخنة – لم يعد كذلك. وهذا يعني أن فهمنا لتوزيع القارات والمحيطات قد يستند إلى فرضيات بحاجة لإعادة تقييم، ليس فقط بالنسبة للماضي السحيق، بل أيضًا لفهم مستقبل ديناميكية الأرض.

إن هذا الاكتشاف يمثل لحظة فاصلة في علم الجيولوجيا، ليس لأنه يطرح نظرية جديدة فحسب، بل لأنه يفتح الباب أمام تطوير أدوات أكثر دقة لرصد وفهم ما يجري في أعماق الأرض.

ذو صلة