ذكاء اصطناعي

شيفرة الصدأ: اكتشاف علمي يعيد كتابة سجل الأرض الجيولوجي بكشف فجوة عمرها مليار سنة

فريق العمل
فريق العمل

4 د

طور باحثون في جامعة ولاية يوتا تقنية جديدة لتأريخ عمليات الأكسدة القديمة في الصخور باستخدام معدن المارتيت.

تساعد التقنية على فهم "الانقطاعات الجيولوجية" وهي فجوات ضخمة في سجل طبقات الأرض تعود إلى أكثر من مليار سنة.

أظهرت الدراسة أن الانقطاع العظيم في كولورادو ربما يعود إلى 1.

4 مليار سنة، أي قبل عصر "كرة الثلج الأرضية".

يمكن استخدام هذه الطريقة عالميًا لفهم تطورات الأرض الجيولوجية وتاريخها التكتوني والمناخي.

في اكتشاف جيولوجي مثير قد يُعيد رسم فهمنا لتاريخ الأرض، أعلن باحثون من جامعة ولاية يوتا عن تطوير تقنية رائدة تساعد على تأريخ عمليات الأكسدة القديمة التي حدثت منذ أكثر من مليار سنة، مستخدمين في ذلك معادن حديدية متأكسدة تعرف باسم "المارتيت". هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام فهم أفضل للفجوات الزمنية الغامضة في سجل الأرض الجيولوجي، والتي ظلت تُحيّر العلماء لعقود.


بصمة زمنية مخفية في الصدأ

في دراسة نُشرت بتاريخ 4 مارس 2025 في مجلة Geology، قدم الباحثان جوردن جنسن وأليكسيس ألت طريقة جديدة تعتمد على تحليل معادن أكسيد الحديد، وتحديدًا المارتيت، لتأريخ تفاعلات الأكسدة التي تشير إلى لحظة اقتراب الصخور من سطح الأرض، حيث تتعرض للماء والأكسجين.

تقول أليكسيس ألت، أستاذة الجيولوجيا في جامعة ولاية يوتا:


"التحدي الأكبر يكمن في تحديد الزمن الذي قضته الصخور بالقرب من السطح، لأن الأدلة الجيولوجية غالبًا ما تكون قد مُحيت بفعل الزمن والعمليات الطبيعية."

التقنية الجديدة تُعد بمثابة "ساعة جنائية" دقيقة، تسجل لحظات الأكسدة كما يسجل الصدأ على الحديد تعرضه للهواء، وتوفر بذلك أداة قوية لتحديد متى كانت الصخور على مقربة من سطح الكوكب.


الفجوات الصخرية: فصول مفقودة من كتاب الزمن الجيولوجي

تعرف الفجوات الجيولوجية باسم "الانقطاعات الصخرية" أو Unconformities، وهي فترات زمنية مفقودة في تسلسل طبقات الأرض، حيث تفصل بين صخور قديمة جدًا وأخرى أحدث بكثير، ما يشير إلى حدوث عمليات تآكل كبرى محَت الطبقات الوسطى.

ومن أبرز هذه الفجوات ما يُعرف باسم "الانقطاع العظيم" (The Great Unconformity)، والذي يُلاحظ بوضوح في أماكن شهيرة مثل "جراند كانيون" بالولايات المتحدة. ويُعتقد أنه يفصل بين صخور متحولة ونارية تعود إلى ما قبل مليار سنة، وطبقات رسوبية غنية بالأحافير تعود إلى عصور لاحقة. ومع ذلك، يبقى أصل هذا الانقطاع ووقته الدقيق محل جدل واسع بين الجيولوجيين.


المارتيت: الشاهد الصامت على عمق الزمن

يركز البحث على معدن المارتيت، وهو شكل مؤكسد من المغنيتيت يتحول إلى الهيماتيت بفعل الأكسدة، محتفظًا بمظهره الخارجي رغم تغير بنيته الداخلية. يشير الباحث جوردن جنسن إلى أن "المغنيتيت ليس مستقراً على سطح الأرض، ويتحول ببطء إلى الهيماتيت، كما يصدأ الحديد عند تعرضه للهواء."

باستخدام أدوات متقدمة مثل المجهر الإلكتروني الماسح وتحليل النظائر المشعة (U-Th)/He، استطاع الفريق الكشف عن هذه التغيرات المجهرية الدقيقة وتحديد وقت حدوث الأكسدة بدقة، مما يحدد اللحظة التي ارتفعت فيها الصخور إلى سطح الأرض.


تأريخ الانقطاع العظيم إلى ما قبل 1.4 مليار سنة

طبق الفريق طريقته الجديدة على عينات صخرية تعود إلى 1.7 مليار سنة، مأخوذة من سلسلة جبال كولورادو غرب مدينة دنفر. وتبين من خلال التحليل أن عملية الأكسدة بدأت منذ 1.04 مليار سنة، ما يشير إلى أن الانقطاع العظيم ربما بدأ في التكوّن منذ 1.4 مليار سنة، أي قبل مئات الملايين من السنوات مما كان يُعتقد سابقاً.

هذا الاكتشاف يقوّض الفرضية الشائعة التي تربط الانقطاع العظيم بعصر "كرة الثلج الأرضية" (Snowball Earth)، وهي فترة تجلد عالمي حدثت قبل نحو 635 مليون سنة، ما يفتح الباب أمام فهم أعمق لجذور هذا الحدث الجيولوجي الضخم.


أداة جديدة للسفر عبر الزمن الجيولوجي

نظرًا لانتشار معدن المارتيت في العديد من الصخور حول العالم، يرى الباحثون أن تقنيتهم يمكن أن تُستخدم عالميًا لدراسة عمليات التعرية والتجوية وتكوّن الرواسب المعدنية المهمة على مدى العصور الجيولوجية.

ويشرح جنسن:


"حبّات المارتيت الصغيرة، رغم صغرها، تحفظ توقيت أول تعرّض للصخور لسطح الأرض، حتى بعد تعرضها لاحقًا للدفن أو لتشكّل الجبال، وهي عمليات يمكن أن تمحو الأدلة الجيولوجية التقليدية."

في بعض الحالات، أشارت تحاليل الفريق إلى أن التآكل الذي أدى إلى تكوّن الانقطاع العظيم بدأ قبل عصر التجلد الشامل بكثير، وهو ما يدعم فرضية أن هذه الفجوة تعود لأسباب أخرى أقدم، قد تكون مرتبطة بنشاطات تكتونية سابقة.


الصخور الصدئة كحراس زمني لتاريخ الأرض

تُعد هذه النتائج أكثر من مجرد توثيق لحدث زمني؛ بل تقدم وسيلة جديدة لإعادة بناء الفصول المفقودة من سجل الأرض الجيولوجي. فبتتبع كيفية وزمن تعرض الصخور للسطح، يمكن للعلماء إعادة رسم مشهد التحولات التكتونية والمناخية التي شكلت قارات الأرض الحالية.

ذو صلة

وتختتم ألت بقولها:


"نحن نستخدم بصمات معادن الحديد المؤكسدة لتتبع الزلازل والانزلاقات الأرضية البطيئة، وهذه التقنية نفسها يمكن أن تُستخدم لاستكشاف مستقبلنا الجيولوجي أيضًا، لا سيما في مجالات التعدين، ودورة الكربون، وتطور القشرة القارية على المدى البعيد."

ذو صلة