بعيون طيفية.. تلسكوب SPHEREx يبدأ استكشافه الأعظم لأسرار الوجود

3 د
التقط التلسكوب الفضائي SPHEREx التابع لناسا أولى صوره بالأشعة تحت الحمراء بعد إطلاقه في مارس 2025، وتُعد هذه الصور إنجازاً تقنياً رغم أنها غير مُعايرة بعد.
ستغطي مهمة SPHEREx السماء بأكملها أربع مرات خلال عامين، لتحليل مكونات المجرات وتاريخ الماء وتطور الكون.
يعتمد التلسكوب على تقنية التحليل الطيفي، حيث يحلل الضوء إلى أطواله الموجية للكشف عن التركيب الكيميائي والمسافات الكونية.
يشارك في المشروع شركاء من الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وتايوان، وهو مُصمم للتكامل مع تلسكوبات مثل "جيمس ويب" لتقديم صورة شاملة ومتكاملة للكون.
في خطوة جديدة لاستكشاف أعماق الكون، كشفت وكالة الفضاء الأمريكية ناسا عن أولى الصور التي التقطها تلسكوبها الفضائي الجديد SPHEREx، وذلك بعد أقل من شهر على إطلاقه في 11 مارس 2025. هذه الصور الأولية، التي عُرضت بألوان قوس قزح لإبراز الأطوال الموجية تحت الحمراء غير المرئية للعين البشرية، تشكل مجرد بداية لمهمة طموحة تهدف إلى رسم خريطة لمئات الملايين من المجرات في السماء بأكملها.
مهمة طموحة لكشف تاريخ الكون والماء والحياة
يحمل التلسكوب اسماً طويلاً يعكس أهدافه العلمية: "المطياف الفوتومتري لتاريخ الكون وعصر التأين ومستكشف الجليد" (Spectro-Photometer for the History of the Universe, Epoch of Reionization and Ices Explorer)، أو اختصاراً "سفيركس" (SPHEREx). هذه المهمة، التي تديرها مختبرات الدفع النفاث التابعة لناسا (JPL) بالتعاون مع معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (Caltech)، صُممت للإجابة عن أسئلة جوهرية حول أصل الماء في مجرتنا، وتطور المجرات، والظروف الكونية التي سادت في اللحظات الأولى بعد الانفجار العظيم.
رؤية قوس قزحية للكون
تعتمد صور "سفيركس" على ضوء الأشعة تحت الحمراء، الذي لا تراه العين البشرية. لذلك، يعمد العلماء إلى تحويل تلك الأطوال الموجية إلى ألوان مرئية تمثل كل نطاق طيفي، ما يمنحنا صوراً نابضة بالحياة تُشبه مشهداً كونياً من قوس قزح. إحدى الصور المبكرة التي التُقطت في 27 مارس تظهر ست صور منفصلة التقطها كل كاشف من الكواشف الستة التي يحتويها التلسكوب، وتمت معالجتها بصرياً لتبدو وكأنها لوحة ضوئية واحدة تُغطي مجالاً سماوياً يعادل عشرين ضعف حجم القمر المكتمل.
وما يجعل هذه الصور أكثر إثارة للإعجاب أنها صادرة عن كواشف لم تُعاير بعد، ما يعني أن التلسكوب لا يزال في مراحله التشغيلية الأولى، ومع ذلك يُظهر قدرة مذهلة على التقاط تفاصيل دقيقة لمصادر ضوئية بعيدة جداً.
تركيز بصري ثابت واستثنائي
يختلف "سفيركس" عن تلسكوبات مثل "هابل" و"جيمس ويب" في أنه لا يركّز على أهداف محددة في عمق السماء، بل صُمم لمسح السماء بالكامل أربع مرات خلال فترة مهمته الأساسية التي تمتد لعامين. وتغطي أجهزته الستة مجتمعةً 102 نطاقاً طيفياً، بواقع 17 نطاقاً لكل كاشف، ما يوفر قدرة غير مسبوقة على تحليل التركيب الكيميائي للأجرام السماوية وتحديد المسافات التي تفصلنا عنها.
هذا المستوى العالي من التفاصيل الطيفية يمنح العلماء أدوات دقيقة لفهم كيفية تشكل المجرات وتطورها، وتحديد مواقع المياه المتجمدة في مجرتنا، ودراسة البنية الكونية الهائلة، بل حتى تحليل الشروط الفيزيائية التي سادت خلال أجزاء من الثانية بعد ولادة الكون.
بداية العد التنازلي للمسح الكوني
مع بداية العمليات العلمية الروتينية في أواخر أبريل، من المتوقع أن يلتقط "سفيركس" نحو 600 تعريض ضوئي يومياً، ليجمع بيانات ضخمة حول:
- توزيع جليد الماء في مجرة درب التبانة
- البنية الكونية على نطاق واسع
- تطور المجرات عبر مليارات السنين
- الظروف الفيزيائية التي رافقت لحظة الانفجار العظيم
يعتمد "سفيركس" على تقنية التحليل الطيفي، وهي أداة حاسمة لفهم تركيب الأجرام السماوية من خلال تحليل الضوء المنبعث منها إلى مكوناته المختلفة، مما يساعد في رسم خريطة غير مرئية للكون المترامي الأطراف.
تعاون دولي واسع النطاق
تم تطوير التلسكوب من قبل شركة BAE Systems، في حين ستتولى مركز IPAC التابع لمعهد كالتيك مهمة معالجة البيانات وأرشفتها. ويُشارك في المشروع شركاء من كوريا الجنوبية وتايوان، ما يجعله نموذجاً للتعاون العلمي الدولي الطموح في مجال استكشاف الفضاء.
ورغم أن "سفيركس" ليس مصمماً للتصوير عالي الدقة مثل "جيمس ويب"، إلا أنه يُكمل مهمته عبر تغطية واسعة للسماء تساعد في توجيه تلك التلسكوبات نحو مناطق محددة من الاهتمام، ما يُساهم في رسم فسيفساء كونية عالية الدقة تجمع بين الرؤية الشاملة والتركيز العميق.
أكثر من مجرد صور جميلة
لا تقتصر مهمة "سفيركس" على التقاط مناظر خلابة للفضاء، بل تهدف إلى بناء "تعداد كوني" غير مسبوق، يساعد العلماء على فهم كيفية توسع الكون، ونشوء المجرات، وأصول المركبات العضوية التي تُعتبر اللبنات الأساسية للحياة.
في نهاية المطاف، سيُشكّل "سفيركس" حلقة وصل ضرورية في فهمنا للكون، عبر الكشف عن أسراره الخفية بلغة الطيف والضوء، ومدّ الجسور بين السماء الشاسعة والمختبرات العلمية على الأرض.