خزان مائي عملاق تحت سطح المريخ… هل يخبئ الكوكب الأحمر محيطًا في أحشائه؟

3 د
اكتشف العلماء خزاناً ضخماً من الجليد أسفل تكوين "ميدوسا فوساي" في المريخ، يُعد الأكبر خارج المناطق القطبية.
تصل سماكة الجليد إلى أكثر من 3,5 كيلومترات، ويكفي إذا ذاب لتغطية سطح المريخ بعمق يصل إلى 3 أمتار من المياه.
يغيّر الاكتشاف النظريات السابقة حول تكوين المنطقة ويعزز إمكانية وجود الماء في مناطق استوائية من الكوكب.
يُعد الموقع هدفاً واعداً للبعثات البشرية المستقبلية ويطرح تساؤلات جديدة حول تاريخ مناخ المريخ وإمكانات الحياة عليه.
في اكتشاف علمي قد يغيّر فهمنا لطبيعة كوكب المريخ وتاريخه المناخي، أعلن علماء فلك عن رصد خزان ضخم من المياه المجمّدة مدفون على عمق يقارب الثلاثة كيلومترات تحت أحد أكثر المناطق غموضاً على الكوكب الأحمر: تكوين ميدوسا فوساي (Medusae Fossae Formation). هذا الاكتشاف الذي نُشر في دورية Geophysical Research Letters يُعتبر الأكبر من نوعه خارج المناطق القطبية، ما يفتح آفاقاً جديدة لفهم ماضي المريخ، واستكشافه مستقبلاً، بل وحتى إمكانية استيطانه يوماً ما.
جليد في قلب الغبار المريخي
يقع تكوين ميدوسا فوساي في منطقة انتقالية بين الأراضي المنخفضة الشمالية الناعمة للمريخ ومرتفعاته الجنوبية الوعرة. لطالما اشتبه العلماء في احتواء هذا التكوين على أكثر من مجرد غبار وبركان رمادي، لكن البيانات الحديثة من رادار MARSIS المثبت على المركبة الأوروبية Mars Express كشفت عن مفاجأة: طبقات سميكة من الجليد المخفي تحت التلال المتموجة التي شكّلتها الرياح.
يقول توماس واترز من مؤسسة سميثسونيان، وهو الباحث الرئيسي في الدراسة:
"قمنا بإعادة تحليل منطقة ميدوسا فوساي باستخدام بيانات أكثر حداثة من رادار MARSIS، ووجدنا أن السماكة الحقيقية للترسبات الجليدية تفوق توقعاتنا—قد تصل إلى 3.5 كيلومترات في بعض الأماكن."
وأضاف أن الإشارات الرادارية التي سجلها الفريق تُشبه تلك المرصودة فوق القبعات الجليدية القطبية للمريخ، حيث تأكد وجود الجليد سابقاً.
محيط يغمر الكوكب الأحمر
النتائج تشير إلى أن الجليد المدفون تحت تكوين ميدوسا فوساي، إذا ما ذاب بالكامل، يمكنه تغطية سطح المريخ بعمق يتراوح بين 1.5 إلى 3 أمتار من المياه، أي ما يعادل تقريباً حجم البحر الأحمر على كوكب الأرض. هذه الكمية المذهلة من المياه المدفونة في منطقة يُعتقد أنها جافة تُعد تحولاً كبيراً في فهمنا للموارد المائية على المريخ.
يُعتقد أن هذا الخزان المائي هو الأكبر خارج القطبين، مما يجعله هدفاً استراتيجياً لبعثات الاستكشاف المستقبلية، ومرشحاً محتملاً لمشاريع استخراج المياه في الموقع (in-situ resource utilization)، بل وحتى لتصوّرات بعيدة الأمد حول تهيئة المريخ للعيش البشري (Terraforming).
زعزعة النظريات القديمة حول جيولوجيا المريخ
منذ عقود، كان العلماء يعتقدون أن تكوين ميدوسا فوساي يتكوّن من رماد بركاني أو رواسب جافة منقولة بالرياح. لكن تحليل الإشارات الرادارية كشف عكس ذلك، وفقاً لعالِم الفيزياء الفلكية أندريا تشيكتي من المعهد الوطني الإيطالي للفيزياء الفلكية، الذي قال:
"لو كانت المنطقة مجرد تلال من الغبار، لتعرضت لضغط ذاتي جعلها أكثر كثافة مما نرصده اليوم. عندما قمنا بمحاكاة سلوك المواد الجافة، لم يتطابق أي منها مع البيانات، ما يعزز فرضية وجود الجليد."
هذا الاكتشاف لا يغيّر فقط طبيعة ميدوسا فوساي، بل يقدّم أدلة جديدة على وجود الماء في مناطق استوائية من المريخ، ما قد يُعيد رسم الجدول الزمني الجيولوجي للكوكب.
لماذا يعتبر الجليد الاستوائي مهماً؟
المناطق القطبية للمريخ غنية بالجليد، لكنها غير مناسبة لهبوط المركبات المأهولة بسبب وعورة التضاريس ومحدودية مصادر الطاقة هناك. على العكس، يُفضل المهندسون والعلماء المناطق الاستوائية لسهولة الوصول إليها وطول ساعات الإضاءة. وبالتالي، فإن وجود مثل هذا الخزان الضخم من المياه في موقع معتدل يُمثل فرصة استراتيجية هائلة.
يؤكد كولين ويلسون، العالم في وكالة الفضاء الأوروبية والمسؤول عن مشروع Mars Express وExoMars Trace Gas Orbiter:
"صحيح أن هذه الترسبات الجليدية لا تزال خارج متناولنا حالياً بسبب طبقات الغبار الكثيفة التي تغطيها، لكنها تمثّل نافذة مهمة لفهم تاريخ المياه وتوزيعها الحالي على الكوكب."
أسرار مناخية تحت السطح
بعيداً عن أهميته في دعم البعثات المستقبلية، يفتح الجليد الاستوائي باباً واسعاً من التساؤلات حول تاريخ مناخ المريخ. كيف تجمّع هذا القدر من المياه بعيداً عن الأقطاب؟ هل كان المريخ في زمنٍ ما أكثر دفئاً ورطوبة؟ وهل يمكن أن تكون هذه الطبقات الجليدية قد حفظت آثاراً لكائنات ميكروبية قديمة؟
يرى العلماء أن الطبقات الجليدية المغطاة بطبقة واقية من الغبار قد تكون بمثابة "كبسولة زمنية" تحفظ سجلّات مناخية من ماضي المريخ الأكثر نشاطاً، وقد تحمل في طيّاتها أسراراً لم تُكتشف بعد.