ذكاء اصطناعي

نهاية عصر “الذكاء المجاني”؟ كل ما تحتاج معرفته عن مشروع “أفوكادو” وانقلاب مارك زوكربيرج على نفسه

مصطفى يسري
مصطفى يسري

4 د

نهاية المجانية: ميتا تطور سرًا نموذج "أفوكادو" (Avocado)، أول ذكاء اصطناعي مغلق المصدر للشركة يهدف للربح المادي، متخلية عن فلسفة المصدر المفتوح التي ميزتها سابقًا.

أسباب الانقلاب: تعثر تطوير نسخة Llama 4 "الوحش"، وضغط فاتورة استثمارية بقيمة 600 مليار دولار، ورغبة زوكربيرج المحمومة في اللحاق بـ OpenAI وجوجل.

إدارة مركزية: تأسيس مختبر "TBD" الجديد تحت إشراف زوكربيرج المباشر (نقل المكاتب بجواره) وبقيادة ألكسندر وانغ المؤيد للأنظمة المغلقة.

مفارقة التدريب: التقارير تشير إلى أن النموذج الجديد يتدرب باستخدام مخرجات نماذج منافسة وحتى نموذج Qwen الصيني، رغم تحذيرات زوكربيرج السياسية السابقة من التقنية الصينية.

ضحايا التحول: رحيل "الأب الروحي" للذكاء الاصطناعي يان ليكون بعد 12 عامًا، وتسريحات ضخمة في قسم الأبحاث (FAIR) لصالح الفريق التجاري الجديد.

هل تتذكر مارك زوكربيرج في العامين الماضيين؟ ذلك الشخص الذي نصب نفسه بطلاً للمصدر المفتوح (Open Source)، الرجل الذي قرر توزيع "أسرار" الذكاء الاصطناعي مجانًا عبر نماذج Llama ليحارب احتكار جوجل و OpenAI؟

حسنًا، يبدو أن شهر العسل هذا قد انتهى، وأن "الفواتير" بدأت تتراكم على مكتب مارك.

اليوم، نحن أمام تسريبات وتقارير شبه مؤكدة تقول إن ميتا تستعد لإطلاق نموذج ذكاء اصطناعي "مغلق المصدر" لأول مرة، في خطوة قد تقلب الطاولة على الجميع. القصة ليست مجرد نموذج جديد، بل هي دراما إدارية، صراعات داخلية، ومفارقات مضحكة. إليك القصة الكاملة لمشروع يحمل اسمًا غريبًا: "أفوكادو" (Avocado).


أولاً: ما هو "أفوكادو"؟ ولماذا هذا الاسم؟

بحسب تقرير حصري من Bloomberg، تعمل ميتا حاليًا خلف الأبواب المغلقة على نموذج ذكاء اصطناعي جديد كليًا يحمل الاسم الكودي "Avocado".

النموذج "مغلق المصدر" (Closed Source). يعني انسى فكرة أنك ستحمله وتعدل عليه كما كنت تفعل مع Llama. هذا النموذج سيكون "صندوقًا أسود" تدفع لتدخله، تمامًا مثل GPT-4.

لماذا أفوكادو؟
لا أحد يعرف السبب الرسمي، لكن دعني أخمّن: الأفوكادو "ناعم من الداخل لكن نواته صلبة جدًا ومغلقة"؟ أو ربما لأنه، مثل الأفوكادو في المطاعم، سيكون "إضافة باهظة الثمن" (Extra Charge)؟

المؤكد وفقًا لخطط ميتا السابقة، أن الشركة تخطط لطرحه في ربيع عام 2026، ليكون أول نموذج "مدر للأرباح" (Money-making) في تاريخ الشركة.


صورة أرشيفية توضح توسعات ميتا في الذكاء الاصطناعي - المصدر: Times of AI

ثانياً: لماذا الانقلاب المفاجئ؟ (ما لا يقال في المؤتمرات)

زوكربيرج الذي قال سابقًا عن الأنظمة المغلقة لفظًا نابيًا شهيرًا ("F*** that")، يغير اليوم جلده. والسؤال المنطقي هنا: لماذا؟ الإجابة تتلخص في ثلاث نقاط، وسأعقب على كل واحدة لأنها تحمل تفاصيل مثيرة:


1. خيبة أمل "Llama 4"

يبدو أن الأمور "معصلجة" مع الجيل القادم. التقارير تشير إلى أن نسخة Llama 4 التي كان يُطلق عليها داخليًا اسم "Behemoth" (الوحش)، واجهت تأخيرات تقنية ومشاكل في الأداء. المطورون لم ينبهروا بالنسخ الأولية، وهناك أنباء عن تأجيلها لشهور أو حتى إلغاء المشروع لصالح النموذج المغلق الجديد.


تعقيبي: عندما يتعثر "الوحش" المجاني، فالحل التجاري هو إطلاق "أفوكادو" مدفوع.. منطق رأسمالي بحت!


2. فاتورة الـ 600 مليار دولار

ميتا تعهدت باستثمار خيالي قيمته 600 مليار دولار في البنية التحتية. نعم، الرقم صحيح. هل تعتقد حقًا أن "حب الخير للمطورين" ونشر الكود المفتوح سيسدد هذه الفاتورة؟ المستثمرون يريدون "كاش"، والنموذج المغلق هو الطريق الأسرع لذلك.


3. عقدة "جوجل" و "OpenAI"

زوكربيرج يرى المنافسين يقتربون من "الذكاء الخارق" (Superintelligence)، ويشعر أن الانشغال بالمصدر المفتوح ومشاكله الأمنية قد يعطله. هو يريد اللحاق بالركب، وبأي ثمن.


ثالثاً: "مختبر TBD".. أو كيف يمارس مارك الإدارة التفصيلية

هنا تصبح القصة درامية. قام زوكربيرج بتهميش الفرق القديمة وأنشأ مجموعة جديدة أطلق عليها اسم "TBD Lab" (مختبر لم يحدد اسمه بعد).

الغريب ليس الاسم، بل الموقع. بحسب تقرير نيويورك تايمز، قرر زوكربيرج نقل مكاتب هذا الفريق لتكون بجوار مكتبه الشخصي مباشرة. هو يريد أن يرى كل سطر كود، وكل تحديث، وكل مشكلة بنفسه.

قائد هذا الفريق الجديد هو ألكسندر وانغ (Alexandr Wang)، وهو وجه جديد معروف بتأييده للنماذج المغلقة، عكس الحرس القديم في ميتا.

هل هذه "قيادة حازمة" أم "Micromanagement" خانق؟ الموظفون منقسمون، لكن الواضح أن مارك لا يثق في أحد الآن سوى عينيه.


رابعاً: المفارقة الكوميدية.. كيف يتم تدريب "أفوكادو"؟

هذه النقطة هي قمة السخرية في القصة. فريق TBD لا يبني النموذج من الصفر ببيانات ميتا فقط. التقارير تقول إنهم يستخدمون تقنية "التقطير" (Distillation) والتدريب باستخدام مخرجات نماذج منافسة مثل:

  • Google Gemma.
  • OpenAI GPT.
  • والمفاجأة: نموذج Qwen الصيني المملوك لشركة علي بابا!

لحظة واحدة.. أليس هذا هو مارك زوكربيرج الذي وقف أمام الكونجرس وحذر من أن "الصين تشكل الذكاء الاصطناعي بقيم الرقابة"؟ الآن فريقه يستخدم نموذجًا صينيًا لتدريب نموذجه الأمريكي "الوطني" الجديد!


مارك زوكربيرج مُحذرًا من خطورة التوجهات الصينية في وقتٍ سابق - CNBC

السياسة في وادٍ، والبيزنس في وادٍ آخر تمامًا. عندما تحتاج لبيانات جيدة، لا يهم إن كانت قادمة من وادي السيليكون أو من بكين.


خامساً: الضحايا.. رحيل "الأب الروحي"

لكل تحول ضحاياه، والضحية هنا هو يان ليكون (Yann LeCun).

كبير علماء الذكاء الاصطناعي في ميتا، الرجل الذي يعتبر أحد "الآباء الروحيين" للذكاء الاصطناعي الحديث، والمدافع الشرس عن المصدر المفتوح.. أعلن رحيله بعد 12 عامًا.


يان ليكون ... أول ضحايا انقلاب زوكربيرج على نفسه

ليكون كان دائمًا يشكك في جدوى النماذج اللغوية الحالية (LLMs) ويفضل البحث العلمي. رحيله يعني رسميًا نهاية حقبة "البحث العلمي البحت" في ميتا وبدء حقبة "المنتج التجاري".

المثير للضحك: ليكون يؤسس شركة ناشئة في فرنسا، ومن يمولها؟ مارك زوكربيرج نفسه! يبدو أنه طلاق ودي، أو ربما "إبعاد دبلوماسي".

كما أن وحدة أبحاث (FAIR) الشهيرة تعرضت لتسريحات شملت مئات الموظفين. الرسالة واضحة: "إن لم تكن تعمل على أفوكادو، فأنت لست في الأولوية".


الخلاصة: ماذا ينتظرنا؟

ذو صلة

ميتا تخلع رداء "المصلح الاجتماعي التقني" وترتدي بدلة "رجل الأعمال" التقليدية. مشروع "أفوكادو" هو اعتراف ضمني بأن الأرباح والبقاء في سباق التسلح التقني أهم من "لايكات" المطورين على GitHub.

هل ستثق في نموذج مغلق من شركة تمتلك تاريخ "ميتا" في الخصوصية؟ وهل سنشهد قريبًا "Llama" يتحول لذكرى جميلة من الماضي؟ الأيام (وربيع 2026) ستخبرنا.

ذو صلة