ذكاء اصطناعي

معادلة جديدة لناسا تُحيي فرضية وجود حياة سابقة على كوكب الزهرة المنسي

فريق العمل
فريق العمل

4 د

طرحت ناسا معادلة جديدة تُدعى "معادلة حياة الزهرة" لتقدير احتمال وجود حياة على الزهرة في الماضي أو الحاضر.

تتكوّن المعادلة من ثلاثة عوامل: الانبعاث (O)، الصلابة (R)، الاستمرارية (C)، وكل منها يقيس جانباً من جوانب احتمالية الحياة.

رغم الظروف القاسية على الزهرة اليوم، يرى العلماء أن ماضيه ربما شهد بيئة ملائمة لنشوء الحياة.

تُمثل المعادلة تحولاً علمياً في طريقة التفكير حول الحياة خارج الأرض، ويمكن تطبيقها لاحقاً على كواكب أخرى.

هل يمكن أن يكون كوكب الزهرة، الذي طالما اعتُبر جحيماً لا حياة فيه، قد احتضن في يوم من الأيام شكلاً من أشكال الحياة؟
سؤالٌ يعيد علماء ناسا طرحه اليوم، مدفوعين بمعادلة جديدة قد تُحدث تحوّلاً جذرياً في فهمنا لأقرب جيران الأرض. فخلال مؤتمر علوم الكواكب والقمر لعام 2025، كشفت وكالة الفضاء الأميركية عن صيغة رياضية مبتكرة لتقدير احتمال وجود حياة على الزهرة، أُطلق عليها اسم "معادلة حياة الزهرة" (Venus Life Equation – VLE).


نهج جديد يحيي الآمال القديمة

الجهة المطوّرة للمعادلة هي مركز أيمز للأبحاث التابع لناسا، وتحديداً على يد الباحثة ديانا جنتري، مديرة مختبر علم الأحياء الجوي (Aerobiology Lab). وقد استلهمت جنتري وفريقها المعادلة من النموذج الشهير المسمى بـ"معادلة دريك"، التي وُضعت في ستينيات القرن الماضي لتقدير عدد الحضارات الذكية في مجرتنا.

لكن على عكس معادلة دريك التي تنظر إلى الكون ككل، تركز معادلة الزهرة على كوكب واحد فقط، وتسعى إلى استكشاف احتمالية الحياة فيه في الماضي أو الحاضر أو حتى المستقبل، اعتماداً على مزيج من الملاحظات والنماذج العلمية.


تفاصيل المعادلة:

تُختزل معادلة الزهرة في الصيغة:


L = O × R × C

حيث:

  • O (الانبعاث – Origination): احتمالية نشوء الحياة وتثبيتها في فترة معينة من تاريخ الكوكب.
  • R (الصلابة – Robustness): تنوع الحياة ومرونتها في مواجهة التغيرات البيئية على مدى الزمن.
  • C (الاستمرارية – Continuity): مدى بقاء الظروف المناسبة للحياة على الكوكب، سواءً مكانياً أو زمانياً، حتى اللحظة التي يُفترض فيها وجود الحياة.

هذا النموذج لا يزعم التنبؤ، بل يُعد بمثابة إطار علمي يساعد الباحثين على إدخال القيم المختلفة بحسب ما يتوفر لديهم من بيانات، واستخدامها لتكوين تصور أولي عن احتمالات وجود حياة في الزهرة.


الزهرة: توأم الأرض المهمل

بحسب موقع Science Alert، يركّز معظم الباحثين في مجال الحياة خارج الأرض على كوكب المريخ وأقمار المشتري الجليدية، مثل أوروبا وإنسيلادوس، نظراً لاحتوائها على المياه. لكن الزهرة غالباً ما يُستبعد من هذه المعادلات رغم قربه الكبير من الأرض، وتشابه كتلته وتركيبه معها.

الاختلاف الجوهري يكمن في تطور الغلاف الجوي؛ إذ بينما احتفظت الأرض بمناخ معتدل، شهد الزهرة كارثة بيئية على شكل "تأثير دفيئة خارجة عن السيطرة"، جعلته أكثر الكواكب حرارة واختناقاً في النظام الشمسي. ورغم ذلك، لا يستبعد العلماء أن تكون هناك فترة سابقة كانت فيها الحياة ممكنة على سطحه أو في طبقاته الجوية العليا.


التحديات في تقدير المعطيات

لا تخلو المعادلة من الصعوبات، خاصة في تحديد القيم الدقيقة لكل عامل من العوامل الثلاثة.

  • الانبعاث (O) يتضمن احتمالات متعددة لنشوء الحياة، سواء عبر التكوين الذاتي (abiogenesis)، أو نقل الحياة عبر النيازك (panspermia)، أو حتى نشوء الحياة في أكثر من موقع بشكل مستقل. إحدى أصعب القيم هنا هي ما يُسمى بـ"اختراق العتبة" أو breakout، أي الانتقال من جزيئات بسيطة إلى حياة معقدة.
  • الصلابة (R) تعتمد على توفر العناصر الغذائية الضرورية للحياة مثل الكربون والهيدروجين والنيتروجين والأكسجين والفوسفور والكبريت (CHNOPS)، إلى جانب مصادر الطاقة وتنويع أشكال الحياة الممكنة. تشير جنتري إلى أن قيمة منخفضة لـR تعني وجود بيئة حيوية هشة قابلة للانقراض بسهولة.
  • أما الاستمرارية (C)، فترتبط بعوامل مثل الاستقرار الجيولوجي والانتظام المداري وإعادة تدوير العناصر الغذائية، لكنها أيضاً تأخذ بعين الاعتبار الكوارث الكبرى مثل الانفجارات البركانية أو الاصطدامات النيزكية الضخمة. حتى تغيرات ناتجة عن نشاط الكائنات الحية نفسها قد تقود إلى انقراضها، كما حصل على الأرض خلال ما يُعرف بـ"حدث الأكسجة العظيمة".

يشير الباحثون إلى أنه في حال بلغت C القيمة صفر، فهذا يعني حدوث انقراض كامل بعد نشوء الحياة وقبل الفترة الزمنية المدروسة. والمفارقة أن العلماء لم يتأكدوا حتى اليوم مما إذا كانت الأرض نفسها قد شهدت حدث انقراض شامل تلاه نشوء حياة جديدة.


أكثر من مجرد معادلة رياضية

ذو صلة

تسعى هذه المعادلة إلى تجاوز الحواجز التقليدية في دراسة الحياة خارج الأرض، عبر تقديم أداة منهجية جديدة يمكن تطبيقها على كواكب أخرى أيضاً، مع تعديل معطياتها بحسب كل حالة. وهي تُمثل تطوراً في أسلوب التفكير العلمي، من مجرد التساؤل عن وجود حياة، إلى محاولة تحديد شروطها وسبل قياس احتمالاتها بناءً على أدلة علمية قابلة للرصد والنمذجة.

ولعل أبرز ما تكشفه هذه الخطوة من ناسا هو أن كوكب الزهرة، الذي طالما نظر إليه كبقعة من الجحيم، لا يزال يحمل في طياته أسراراً ربما تُغيّر نظرتنا إلى الحياة نفسها في الكون.

ذو صلة