ذكاء اصطناعي

بريطانيا تطلق مشروع “صن بيرد”… لاختصار زمن الرحلات بين الكواكب إلى النصف

فريق العمل
فريق العمل

4 د

كشفت شركة بريطانية ناشئة عن صاروخ "صن بيرد" الذي يعمل بالاندماج النووي وقد يُحدث ثورة في السفر بين الكواكب.

يعتمد المشروع على تفاعلات بين الديوتيريوم والهيليوم-3 لتوليد دفع مباشر أكثر كفاءة وأماناً.

قد يختصر زمن الرحلة إلى المريخ إلى النصف، ويقلل زمن الوصول إلى بلوتو من 9,5 إلى 4 سنوات.

لا تزال هناك تحديات تقنية وعلمية كبيرة، أبرزها ندرة الهيليوم-3 وعدم بدء التجارب الاندماجية الفعلية حتى الآن.

في خطوة مفاجئة قلبت الموازين في عالم استكشاف الفضاء، كشفت شركة بريطانية ناشئة تُدعى "بولسار فيوجن" عن مشروع سري ضخم ظل قيد التطوير لأكثر من عقد، يحمل اسم "صن بيرد" (Sunbird)، وهو صاروخ يعمل بتقنية الاندماج النووي قد يُحدث ثورة في مجال الدفع الفضائي ويُعيد تعريف مفهوم السفر بين الكواكب. وقد تم الإعلان عن هذا المشروع الطموح للمرة الأولى في مارس 2025 خلال معرض Space-Comm في لندن.


صاروخ من الخيال العلمي… يقترب من الواقع

تقوم فكرة "صن بيرد" على مبدأ الدفع عبر الاندماج النووي، وهو نهج يبتعد كليًا عن الاعتماد على الوقود الكيميائي التقليدي، ويرتكز بدلًا من ذلك على تفاعلات اندماجية بين نظيري الهيدروجين: الديوتيريوم والهيليوم-3، لإنتاج طاقة تُستخدم مباشرة في توليد الدفع. وتهدف الشركة إلى تحويل هذا الصاروخ إلى "قاطرة فضائية" قابلة لإعادة الاستخدام، تسحب المركبات الفضائية من مدار الأرض إلى وجهات بعيدة مثل القمر والمريخ، بل وحتى بلوتو، خلال أوقات زمنية أقصر بكثير من المعايير الحالية.

ريتشارد دينان، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة بولسار فيوجن، أوضح أن سرعة العادم الناتجة عن الدفع هي العنصر الأكثر حسماً في مسألة السفر بين الكواكب. وقال:


"إذا أردنا أن نصبح فعلاً نوعاً من الكائنات التي تستطيع الوصول إلى كواكب أخرى، فإن سرعة العادم هي العامل الأهم... والاندماج النووي هو الملك في هذا المجال".


نموذج تقني مبتكر... وشروط أكثر ملاءمة في الفضاء

بينما لا تزال تقنية الاندماج النووي تواجه صعوبات جمة على كوكب الأرض، يؤكد دينان أن تحقيقها في الفضاء قد يكون أسهل، بفضل الظروف الطبيعية التي يوفرها الفراغ الكوني وانخفاض درجات الحرارة. عوضاً عن المفاعلات الدائرية المعقدة مثل توكاماك، يعتمد نموذج بولسار على تصميم خطي أكثر بساطة يمكن أن يعمل نظرياً بكفاءة في البيئة الفضائية.

كما أن نظام الدفع المباشر الذي تقترحه الشركة لا يعتمد على الاندماج التقليدي بين الديوتيريوم والتريتيوم الذي ينتج نيوترونات عالية الطاقة، بل يستخدم الهيليوم-3، وهو نظير نادر يُنتج بروتونات بدلاً من النيوترونات، ما يسمح بتوجيه الطاقة الناتجة مباشرةً نحو توليد الدفع بشكل أكثر كفاءة وأماناً.


الهيليوم-3: العنصر النادر والتحدي الأكبر

رغم ميزاته التقنية الفريدة، إلا أن المشروع يواجه تحديًا كبيرًا: ندرة عنصر الهيليوم-3 على الأرض وصعوبة الحصول عليه. ومن أجل ذلك، تعتزم الشركة الاعتماد في النماذج الأولية على غازات خاملة لاختبار النظام داخل أكبر غرف تفريغ في أوروبا، مع استبعاد استخدام الهيليوم-3 أو تنفيذ أي اندماج نووي فعلي في هذه المرحلة. أما على المدى البعيد، فتُخطط بولسار لاستخراج الهيليوم-3 من سطح القمر، حيث يُعتقد أن كمياته هناك أكثر وفرة.


ما الذي سيحدث إن نجح المشروع؟

إذا تمكنت "صن بيرد" من إثبات فعاليتها، فإنها قد تقلّص زمن الرحلة إلى المريخ إلى النصف، وتخفض مدة السفر إلى بلوتو من 9.5 سنوات إلى حوالي 4 سنوات فقط. وستعمل المركبة كقاطرة مدارية، تلتحم بالمركبات الفضائية وتدفعها خارج جاذبية الأرض دون الحاجة إلى مراحل إطلاق ضخمة أو صواريخ متعددة.

وتخطط بولسار أيضاً لإنشاء شبكة من "محطات شحن مدارية" منتشرة في أنحاء النظام الشمسي، لتزويد هذه القاطرات بالوقود وإتاحة إمكانية الرحلات ذهاباً وإياباً، ما يُعيد تشكيل اقتصاد الرحلات الفضائية من جذوره ويجعل العودة إلى الأرض أسرع وأرخص.

بحسب التصميمات المبدئية، من المتوقع أن يصل طول صاروخ "صن بيرد" إلى نحو 30 متراً، وسيكون مزوداً بدروع سميكة تحميه من الإشعاعات الكونية وارتطام الشهب الدقيقة، فيما يُوصف شكله الخارجي بأنه "يشبه مركبات الكائنات الفضائية" بتصميمه غير المألوف، إلا أن هذا الشكل يخدم وظائفه التقنية بشكل أساسي.


تَحفُّظ علمي ومراقبة حذرة

رغم الحماس الكبير، يقابل المجتمع العلمي المشروع ببعض الحذر. فقد صرّح البروفيسور باولو لوزانو، أستاذ الملاحة الفضائية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، بأن تقنيات الاندماج النووي تظل معقدة للغاية، خاصةً في الأجهزة الصغيرة والمحمولة. وقال لموقع Live Science:


"الاندماج النووي أمر معقّد وقد ظل كذلك لأسباب عديدة، ولا يزال نجاحه في الأجهزة المُدمجة بعيد المنال".

ذو صلة

ويُدرك دينان هذه التحديات، إذ أن الاختبارات الحقيقية لم تبدأ بعد. ومع ذلك، فإن اختبارات محاكاة أولية باستخدام غازات خاملة ستُجرى خلال العام الحالي ضمن حرم بولسار في المملكة المتحدة، تمهيداً لفهم سلوك النظام تحت ظروف مشابهة لما سيواجهه في الفضاء.

رغم الشكوك، فإن مشروع "صن بيرد" يُعيد إشعال خيال المهندسين والعلماء والمستكشفين الطموحين، ويطرح تساؤلاً جوهرياً: هل بات عصر القاطرات الفضائية التي تعمل بالاندماج النووي أقرب مما نعتقد؟

ذو صلة