ذكاء اصطناعي

هل بلغنا ذروة الذكاء البشري؟ أم أن هناك مجالاً للتفاؤل؟.. أزمة التركيز وضعف القدرة على التفكير المنطقي في عصر التكنولوجيا

فريق العمل
فريق العمل

4 د

انخفضت معدلات التركيز والقدرة على حل المشكلات عالميًا، ولكن الأسباب تعود إلى العادات الرقمية السلبية وليس إلى تغير بيولوجي.

التصفح النشط للمعلومات مفيد، بينما يؤدي الاستهلاك السلبي المستمر إلى تراجع القدرة العقلية.

بدأت ظاهرة "التمرد الرقمي" تظهر بين الشباب الذين يسعون إلى تقليل اعتمادهم على وسائل التواصل الاجتماعي.

قد يكون الذكاء الاصطناعي والابتكارات التكنولوجية فرصة لتعزيز القدرات العقلية بدلاً من تهديدها.

تشير الدلائل إلى تراجع القدرات الإدراكية لدى البشر، وفقًا لتحليل حديث نشرته صحيفة فاينانشال تايمز بعنوان "هل تجاوز البشر ذروة ذكائهم وأصبحو أغبياء؟"، حيث تتراجع القدرة على التفكير المنطقي وحل المشكلات منذ عام 2012 في العديد من الدول الغنية.

كما أن نسبة الشباب الذين يجدون صعوبة في التركيز ارتفعت بشكل مطرد منذ منتصف العقد الماضي. الأكثر إثارة للقلق هو أن ربع البالغين في الدول ذات الدخل المرتفع، و35٪ من الأمريكيين، يعانون من مشاكل في الحسابات الرياضية الأساسية.


السبب ليس بيولوجيًا، بل سلوكيًا

ليس هناك دليل على أن العوامل البيولوجية هي المسؤولة عن هذا التراجع، فلا يمكن لوم "التراجع التطوري" أو "المواد الكيميائية في البيئة" أو "الميكروبلاستيك"، بل يرجع السبب إلى التغيرات في السلوك البشري، كما تشير "فاينانشال تايمز". فقد انخفضت معدلات القراءة بشكل حاد، حيث لم يقرأ أكثر من نصف الأمريكيين أي كتاب في عام 2022، وهو ما يعكس نمطًا أوسع من فقدان التركيز العقلي المستدام.

المشكلة الأساسية تكمن في كيفية تعاملنا مع المعلومات: فبدلاً من البحث النشط والاستكشاف الذاتي، أصبحنا أكثر خمولًا في استهلاك المعلومات. التصفح العشوائي جيد، لكن التمرير اللانهائي سيئ.


ما الذي تغير؟

انتقلنا من صفحات ويب محدودة إلى تدفقات لا نهائية من المحتوى المحدث باستمرار، وأصبحنا نتعرض لوابل من الإشعارات التي تشتت الانتباه. هذا التحول أدى إلى انتقالنا من السلوكيات الموجهة ذاتيًا إلى الاستهلاك السلبي والتبديل المستمر بين المهام. وقد وجدت الدراسات أن الاستخدام النشط والموجه للتكنولوجيا الرقمية يمكن أن يكون مفيدًا، لكن الاستخدام السلبي المتزايد يؤثر سلبًا على قدرتنا على معالجة المعلومات اللفظية والانتباه والذاكرة قصيرة المدى.


أسباب للتفاؤل

رغم كل ذلك، هناك عدة أسباب تدعو للتفاؤل. فلطالما كان لدي شكوك تجاه أي ادعاء بأننا وصلنا إلى "ذروة" أي شيء، سواء كان ذلك الذكاء أو الابتكار أو حتى إنتاج النفط.


دروس من "ذروة النفط"

في أواخر العقد الأول من الألفية، ساد الذعر بشأن "ذروة النفط"، حيث توقع الخبراء تراجعًا وشيكًا في إنتاج النفط العالمي، مما سيؤدي إلى أزمة اقتصادية خانقة. لكن التقدم التكنولوجي في تقنيات التكسير الهيدروليكي والحفر الأفقي من آبار النفط قلب الموازين، وأدى إلى طفرة غير مسبوقة في إنتاج النفط، حتى أصبحت الولايات المتحدة أكبر منتج عالمي للطاقة بحلول 2010.


هل يمكننا التكيف أيضًا مع مشكلة تراجع الذكاء؟

قد يكون المجتمع بالفعل في طريقه للتكيف مع هذه الظاهرة، وهناك إشارات على ظهور تمرد رقمي ضد العادات التي تضعف التركيز العقلي:

ذو صلة
  • ثورة ضد التكنولوجيا السلبية: بدأ جيل الشباب في تغيير أنماط سلوكهم الرقمي، حيث تزداد شعبية الهواتف القابلة للطي ويزدهر مفهوم "الانفصال الرقمي"، مما يعكس رغبة متزايدة في استعادة التركيز والوضوح الذهني.
  • التكيف المعرفي: ربما لا نشهد تراجعًا في الذكاء بقدر ما نرى تخصصًا معرفيًا. كما حررت الآلات الحاسبة عقولنا من الحسابات اليدوية، فإن التكنولوجيا الحديثة قد تحرر أدمغتنا للتركيز على المهام الأعلى مستوى. القدرة على التنقل بين التطبيقات وإدارة الإشعارات أصبحت مهارة جديدة، تمامًا كما تكيفت الأسواق مع الابتكارات التكنولوجية.
  • الذكاء الاصطناعي يعزز المهارات: تشير دراسة حديثة إلى أن وظائف الذكاء الاصطناعي تتطلب مهارات معرفية أعلى بنسبة 36.7٪ مقارنة بالوظائف التقليدية، مع زيادة الطلب على المهارات الاجتماعية بنسبة 5.2٪ بعد إطلاق تقنيات مثل ChatGPT. هذا يشير إلى وجود حوافز قوية لتعزيز التفكير النقدي والقدرة على التحليل.
  • الذكاء المعزز بالتكنولوجيا: بدلاً من القلق بشأن انخفاض الذكاء، ينبغي أن نفكر في كيفية التفاعل بفعالية مع أدوات الذكاء الاصطناعي التي توسع إمكانياتنا الفكرية.
  • التطور البيولوجي المحتمل: لا يوجد دليل حالي على أن القدرات البيولوجية للذكاء تتراجع، بل على العكس، هناك توقعات بأن التقنيات الجينية قد تتيح رفع مستوى الذكاء البشري بمقدار 10 نقاط بحلول عام 2050 من خلال أساليب مثل تحرير الجينات والاختيار الجنيني.

خلاصةً، رغم التقارير المقلقة حول تراجع القدرات الإدراكية، فإن هناك أسبابًا وجيهة للتفاؤل. فقد أظهر التاريخ أن البشر قادرون دائمًا على التكيف مع التحديات، وها نحن نشهد بدايات تمرد رقمي ضد العادات التي تقوض التركيز العقلي. وفي الوقت نفسه، فإن الذكاء الاصطناعي قد يرفع من مستوى المهارات المعرفية والاجتماعية المطلوبة في المستقبل، مما قد يعيد تشكيل الطريقة التي ننظر بها إلى مفهوم "الذكاء" نفسه.

ذو صلة