علماء الفلك يكتشفون ثقبًا أسودًا هائلًا مخفيًا.. إنّه بجوارنا مباشرةً

4 د
اكتشف العلماء ثقبًا أسود فائق الضخامة في سحابة ماجلان الكبرى، تبلغ كتلته 600 ألف ضعف كتلة الشمس، وهو ما كان مختبئًا حتى الآن.
تم التعرف على وجوده من خلال دراسة النجوم المسرَّعة، التي تُقذف بسرعات هائلة خارج المجرة نتيجة تأثير الثقب الأسود.
كشفت الدراسة أن هذه النجوم تنشأ من أنظمة ثنائية، حيث يتم أسر نجم واحد في مدار الثقب الأسود بينما يُطرد الآخر بعيدًا بسرعة تفوق مليون ميل في الساعة.
من المتوقع أن تندمج سحابة ماجلان الكبرى مع مجرتنا خلال بضعة مليارات من السنين، مما قد يؤدي إلى تدفق مواد جديدة إلى ثقب درب التبانة الأسود المركزي، مما قد يغيِّر توازنه الديناميكي.
في كشف علمي مثير، تمكن علماء الفلك من تحديد موقع ثقب أسود فائق الضخامة في سحابة ماجلان الكبرى (LMC)، وهي واحدة من أقرب المجرات المجاورة لمجرة درب التبانة. هذا الاكتشاف الذي استند إلى بيانات من بعثة "غايا" التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية (ESA) كشف عن وجود ثقب أسود تبلغ كتلته 600 ألف ضعف كتلة الشمس، وكان مختبئًا في مرأى الجميع بينما يقوم بقذف النجوم بسرعة ملايين الأميال في الساعة نحو الفضاء بين المجرات. ونُشرت تفاصيل هذا الاكتشاف في ورقة بحثية على منصة arXiv، حيث تسلط الضوء على الظواهر الديناميكية المعقدة للنجوم الهاربة.
ثقب أسود كامن يكشف عن نفسه عبر النجوم المسرَّعة
تُعد الثقوب السوداء من أكثر الأجرام صعوبة في الرصد، لأنها لا تُصدر أي ضوء، مما يجعل اكتشافها مهمة معقدة. لكن هذا الثقب الأسود لم يظل خفيًا إلى الأبد، حيث كشف عن نفسه عبر رصد ظاهرة "النجوم المسرَّعة" أو "النجوم الهاربة"، وهي نجوم تسير بسرعة هائلة بحيث لا يمكنها العودة إلى مجرة درب التبانة أبدًا.
بحسب باحثي مركز "هارفارد-سميثسونيان" للفيزياء الفلكية، فإن نصف هذه النجوم المسرَّعة تأتي من الثقب الأسود العملاق في قلب مجرتنا، القوس أ (Sagittarius A)، لكن النصف الآخر بدا وكأنه نشأ من مصدر غير متوقع تمامًا، ما قاد العلماء إلى اكتشاف مذهل.
تتبع مسار النجوم المسرَّعة: دليل جنائي كوني
تمامًا كما يستخدم خبراء الطب الشرعي مسار الطلقات النارية لتحديد مصدرها، استخدم علماء الفلك مسارات النجوم المسرَّعة للكشف عن مصدرها. وفي هذه الدراسة، قام الباحثون بتحليل 21 نجمًا مسرَّعًا عند أطراف مجرتنا، حيث وجدوا نمطًا غير مبرر حتى وجهوا أنظارهم نحو سحابة ماجلان الكبرى.
يقول جيسي هان، المؤلف الرئيسي للدراسة:
"إنه لأمر مدهش أن ندرك أن لدينا ثقبًا أسود فائق الضخامة بالقرب منا بهذا القرب، بمقاييس الكون. لقد كان مختبئًا أمام أعيننا طوال هذا الوقت."
أظهرت النماذج المدارية للنجوم المسرَّعة أن العديد منها قد انطلق من مركز سحابة ماجلان الكبرى، وهي منطقة لم يكن معروفًا سابقًا أنها تحتوي على ثقب أسود.
كيف يحوِّل الثقب الأسود النجوم إلى مقذوفات كونية؟
يرتبط هذا الاكتشاف بظاهرة دراماتيكية تُعرف باسم "قذف النجوم المسرَّعة". حيث تنشأ هذه النجوم من أنظمة نجمية ثنائية، أي زوج من النجوم يدوران حول بعضهما البعض. وعندما يقترب هذا النظام النجمي من ثقب أسود فائق الضخامة، تقوم جاذبية الثقب الأسود الهائلة بتمزيق هذا الزوج: يُسحب أحد النجمين إلى مدار حول الثقب الأسود، بينما يُلقى الآخر إلى الفضاء بسرعات مذهلة.
يوضح كريم البدري، أحد المشاركين في البحث:
"النجوم المسرَّعة تنشأ عندما يقترب نظام نجمي ثنائي كثيرًا من ثقب أسود فائق. جاذبية الثقب الأسود تمزق الزوج، فيستقر أحدهما في مدار حوله، بينما يتم قذف الآخر خارج المجرة."
لطالما شك العلماء في احتمال وجود ثقب أسود مخفي في سحابة ماجلان الكبرى، لكن لم يكن هناك دليل مباشر حتى الآن. ومع ذلك، كشفت نماذج الفريق البحثي أن وجود ثقب أسود في LMC يجب أن ينتج نمطًا محددًا من النجوم المسرَّعة المتركزة في جزء معين من مجرة درب التبانة. وأكدت البيانات الحديثة هذه التوقعات بدقة.
وحش كامن في سحابة ماجلان الكبرى
ورغم أن الثقب الأسود في سحابة ماجلان الكبرى أصغر من نظيره القابع في قلب مجرتنا (القوس أ*) الذي تبلغ كتلته حوالي 4 ملايين ضعف كتلة الشمس، إلا أنه لا يزال يُصنف ضمن فئة الثقوب السوداء الفائقة الضخامة. بكتلة تقارب 600 ألف ضعف كتلة الشمس، يتجاوز حجمه الثقوب السوداء النجمية ولكنه يظل صغيرًا مقارنة بالثقوب السوداء العملاقة التي تبلغ كتلها مليارات الشموس في المجرات البعيدة.
يقول سكوت لوتشيني، أحد مؤلفي الدراسة:
"التفسير الوحيد الممكن لهذه البيانات هو أن هناك ثقبًا أسود عملاقًا مختبئًا في جارتنا الكونية القريبة."
لا يكشف هذا الاكتشاف عن أول ثقب أسود فائق الضخامة في سحابة ماجلان الكبرى فحسب، بل يعمق فهمنا لكيفية تفاعل المجرات مع بعضها البعض. إذ إن سحابة ماجلان الكبرى تسير حاليًا في مسار تصادمي مع درب التبانة، ومن المتوقع أن تندمج معها خلال بضعة مليارات من السنين. عند حدوث هذا الاندماج، قد يصبح هذا الثقب الأسود مصدرًا لإمداد القوس أ* بمواد جديدة، مما يؤدي إلى تغيرات ديناميكية هائلة في مركز مجرتنا.