ذكاء اصطناعي

بذكاء وسخرية… هكذا واجه مطورو المصادر المفتوحة زحف الذكاء الاصطناعي على مواقعهم

فريق العمل
فريق العمل

4 د

يعاني مطورو البرمجيات الحرة من زحف روبوتات الذكاء الاصطناعي التي تتجاهل ملف robot,txt وتسبب أعطالًا في الخوادم.

طوّر Xe Iaso أداة "أنوبيس" لحظر الروبوتات عبر اختبار يُمرّره البشر فقط، ولاقى المشروع نجاحًا كبيرًا بين المبرمجين.

اضطرت بعض المشاريع لحظر دول بأكملها مثل البرازيل والصين لحماية مواقعها من الروبوتات.

تهدف أدوات هجومية مثل Nepenthes وCloudflare AI Labyrinth لإرباك الزاحفين وإغراقهم بمحتوى مضلل.

في معركة إلكترونية غير متكافئة، يخوض مطورو البرمجيات مفتوحة المصدر (FOSS) حربًا صامتة ضد روبوتات الزحف التابعة لأنظمة الذكاء الاصطناعي، التي لا تكلّ عن انتهاك خصوصية مواقعهم وسحب بياناتهم بلا رحمة. وبينما تعاني كبرى المواقع من هذا الزحف، فإن المجتمعات مفتوحة المصدر هي الأكثر تضررًا، ما دفع بعض المطورين إلى الرد بخطط مبتكرة، وأحيانًا ساخرة، تُعبّر عن سخطهم وتكشف عن حجم الأزمة التي تتصاعد في كواليس الإنترنت.


ما الذي يحدث؟

شبّه العديد من مطوري البرمجيات روبوتات الزحف الخاصة بالذكاء الاصطناعي بـ"الصراصير الإلكترونية"، التي تتسلل إلى المواقع وتنهش محتواها بلا إذن، في تجاهل صارخ لبروتوكولات تنظيم السلوك الشبكي مثل ملف "robot.txt" المخصص لمنع الزحف غير المرغوب فيه.

وفي تدوينة على مدونة LibreNews، كتب المطوّر نيكولو فينيراندي، وهو أحد المساهمين في مشروع سطح المكتب "Plasma" لنظام لينكس، أن المطورين مفتوحي المصدر يتعرّضون لتأثير "غير متناسب" من قبل هذه الزواحف الرقمية، بسبب طبيعة مشاريعهم التي تُنشر بشكل مفتوح ومتاح للجميع، في ظل موارد محدودة مقارنة بالشركات التجارية الكبرى.

من أبرز الأمثلة الصارخة على هذا التعدي، ما واجهه مطور البرمجيات Xe Iaso، الذي كشف في يناير عن تعرض خادم Git الذي يديره لهجمات زحف متكررة من روبوت AmazonBot، لدرجة تسببت في انقطاعات مشابهة لهجمات الحرمان من الخدمة (DDoS). وعلى الرغم من أن المطور استخدم ملف robot.txt لمنع الزحف، فإن الروبوت تجاهله تمامًا، متخفيًا خلف عناوين IP مزيفة ومتنكّرًا في هيئة مستخدمين حقيقيين.

كتب Iaso في مدونته:


"من غير المجدي حظر روبوتات الزحف التابعة للذكاء الاصطناعي؛ فهي تخدعنا، وتغير معرفاتها، وتستخدم عناوين IP سكنية، وتضغط على كل رابط، مرارًا وتكرارًا، حتى تنهار الخوادم".


أنوبيس... حارس البوابة الذكي

لم يرضخ Iaso للأمر الواقع، بل ردّ بابتكار أداة دفاعية ذكية تحمل اسم Anubis – نسبة إلى إله الموتى في الميثولوجيا المصرية، الذي يزن أرواح الموتى لتحديد مصيرهم. وقد صمّم هذه الأداة لتكون "وكيل عكسي" يتحقق من أن الطلبات الواردة إلى خوادم Git تأتي من بشر وليس من روبوتات، عبر اختبار "إثبات العمل" الذي لا يستطيع تجاوزه إلا المستخدمون الفعليون.

وإذا اجتاز الزائر هذا التحدي، تظهر له صورة أنمي طريفة تجسد الإله أنوبيس، صممها Iaso بنفسه. أما إن فشل، فيُمنع الطلب تلقائيًا. وعلى الرغم من طرافة الفكرة، فإن الأداة أثبتت فعاليتها بسرعة مذهلة: منذ نشرها على GitHub في 19 مارس، حصلت على أكثر من 2000 نجمة، وانضم إليها 20 مساهمًا، وتفرعت إلى 39 نسخة مستقلة.


ردّ فعل جماعي: من الحظر إلى الانتقام

النجاح السريع لأنوبيس يكشف عن أن معاناة Iaso لم تكن حالة فردية. فقد كشف درو ديفولت، المؤسس والرئيس التنفيذي لموقع SourceHut، أنه يمضي ما بين 20 إلى 100% من وقته الأسبوعي في محاولات صد زحف روبوتات الذكاء الاصطناعي، ويعاني من انقطاعات متكررة كل أسبوع.

أما جوناثان كوربيت، أحد الأسماء البارزة في عالم البرمجيات الحرة، فقد حذّر من أن موقعه الإخباري LWN يتعرض لهجمات زحف تُبطئ الأداء إلى حد يشبه هجمات DDoS.

وصرّح كيفن فنزي، مدير الأنظمة في مشروع Fedora العملاق، أن الهجمات بلغت من الشدة حدًّا اضطره إلى حظر الوصول من دولة البرازيل بأكملها. وذكر فينيراندي أن مشروعًا آخر اضطر بدوره إلى حظر جميع عناوين IP الصينية مؤقتًا.

وأضاف فينيراندي:


"تخيّلوا أن يصل الأمر بمطوري البرمجيات إلى حظر بلدان بأكملها لحماية مواقعهم من روبوتات لا تحترم أبسط القواعد".


نباتات آكلة ومختبرات متاهة: أدوات جديدة في ساحة الحرب

بعيدًا عن الحلول الدفاعية التقليدية، لجأ بعض المطورين إلى أدوات هجومية تهدف إلى إفشال مهمة الروبوتات لا مجرد إيقافها. على منتدى Hacker News، اقترح أحد المستخدمين تحميل الصفحات المحظورة في ملف robot.txt بمحتوى عبثي وخطير، كخدع "فوائد شرب المبيضات" أو "تحسين الأداء الجنسي بالإصابة بالحصبة"، بهدف تضليل الروبوتات ومنحها قيمة سلبية من الزحف، لا صفرية فقط.

وفي هذا السياق، ظهر مشروع Nepenthes – وهو اسم لنبتة لاحمة – أداة أنشأها مطور مجهول في يناير، تحاصر الزاحفين في متاهة لا تنتهي من المحتوى الوهمي والمضلل. وقد وصف مبتكرها الأداة بأنها "عدوانية، وربما خبيثة"، في تصريح لموقع Ars Technica.

كما دخلت شركة Cloudflare، إحدى أكبر شركات الحماية الشبكية، على الخط، بإطلاق أداة جديدة تدعى AI Labyrinth – أو "متاهة الذكاء الاصطناعي" – تهدف إلى "إرباك الزاحفين، وتضليلهم، وهدر مواردهم"، بحسب وصفها. وبدلاً من منع الوصول مباشرة، تقوم الأداة بإطعام الروبوتات محتوى لا صلة له بالمواقع الفعلية.

أما درو ديفولت، مؤسس SourceHut، فرغم إعجابه بفكرة Nepenthes، يرى أن "أنوبيس" هو الحل الأكثر واقعية وفعالية، لكنه لا يخفي غضبه من أساس المشكلة: "أتوسل إليكم أن تتوقفوا عن استخدام مولدات الصور بالذكاء الاصطناعي، أو GitHub Copilot، أو أي من هذه التفاهات. توقفوا عن شرعنتها، عن الترويج لها، فقط... توقفوا".


معركة مستمرة بين الإبداع البشري والزحف الآلي

ذو صلة

في ظل تجاهل متواصل من روبوتات الزحف لقواعد الإنترنت، يبدو أن مجتمع البرمجيات الحرة قرر خوض معركته بأسلحة غير تقليدية: من أنوبيس إلى المتاهات الرقمية، ومن الدعوات للحظر إلى السخرية، تتعدد الأدوات ويبقى الهدف واحدًا: حماية بيئة الإنترنت المفتوحة من الزحف غير الأخلاقي لروبوتات الذكاء الاصطناعي.

وفي عالم لم يعد فيه بالإمكان إيقاف موجة الذكاء الاصطناعي، يبقى للذكاء البشري الكلمة الأخيرة… ولو بطرافة وانتقام.

ذو صلة