ناسا تكتشف قوة غير مرئية تعادل الجاذبية ترفع الغلاف الجوي بهدوء إلى الفضاء منذ ملايين السنين

3 د
أكدت ناسا وجود حقل كهربائي عالمي ضعيف يحيط بالأرض، يُعرف باسم "الحقل الأمبيبولاري"، بعد أكثر من نصف قرن من الجدل العلمي حوله.
تم اكتشاف الحقل خلال بعثة "إندورانس"، التي سجلت فرق جهد يبلغ 0,55 فولت على ارتفاع 768 كم، ما يفسر ظاهرة "الرياح القطبية".
يلعب هذا الحقل دوراً محورياً في تسرب الغلاف الجوي إلى الفضاء، عبر رفع الأيونات إلى ارتفاعات تتجاوز الجاذبية.
يُحتمل أن تكون هذه الظاهرة الكونية شائعة في كواكب أخرى، ما يجعلها عنصراً أساسياً في دراسة قابلية الكواكب للحياة واستقرار أجوائها.
في إنجاز علمي مذهل طال انتظاره، أكّدت وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" وجود حقل كهربائي عالمي يحيط بكوكب الأرض، وهو قوة غير مرئية لطالما افترض العلماء وجودها لعقود، لكنها لم تُرصد فعلياً إلا الآن. ويأتي هذا الاكتشاف، الذي نُشر في دورية Nature، ليعيد صياغة فهمنا لتطور الغلاف الجوي الأرضي، ويضفي بُعداً جديداً إلى القوى الأساسية التي تحكم كوكبنا، جنباً إلى جنب مع الجاذبية والمجال المغناطيسي.
لغز "الرياح القطبية" منذ الستينيات... والبحث عن القوة المجهولة
تعود بدايات هذا الاكتشاف إلى أواخر ستينيات القرن الماضي، حين رصدت الأقمار الصناعية تياراً من الهواء البارد يندفع من أقطاب الأرض إلى الفضاء بسرعة تفوق سرعة الصوت، فيما عُرف لاحقاً باسم "الرياح القطبية". هذه الظاهرة حيرت العلماء طويلاً، إذ لم تكن درجة حرارة الجزيئات المرتفعة كافية لتفسير تلك السرعة، كما لم تقدم أشعة الشمس تفسيراً كاملاً لها.
وفقاً للدكتور غلين كولينسون، الباحث الرئيسي في بعثة "إندورانس" التابعة لناسا، كان هناك افتراض قديم بأن حقلًا كهربائيًا ضعيفًا يقف خلف هذه الظاهرة، لكن لم تكن هناك أدوات قادرة على قياس قوة بهذه الضآلة – حتى جاءت بعثة "إندورانس".
قياس قوة شبه معدومة... لكنها حاسمة
في 11 مايو 2022، أطلقت ناسا صاروخاً من نوع sounding rocket من منطقة سفالبارد في النرويج، نحو منطقة في الغلاف الجوي العلوي معروفة بتسرب الجسيمات منها إلى الفضاء. وفي رحلته شبه المدارية التي استغرقت 19 دقيقة فقط، وصل الصاروخ إلى ارتفاع 768 كيلومتراً، وسجّل فرق جهد ثابت قدره 0.55 فولت – أي ما يعادل طاقة بطارية ساعة يد.
ورغم أن هذا الرقم يبدو ضئيلاً للغاية، إلا أنه في بيئة الغلاف الجوي العلوي، حيث الهواء رقيق للغاية، يكفي هذا الجهد الضعيف لرفع أيونات الهيدروجين إلى الفضاء، متغلباً على الجاذبية بنسبة تفوق 10 أضعاف. حتى الأيونات الأثقل مثل الأوكسجين تصبح أخف وزناً نسبياً بفعل هذا الحقل، مما يؤدي إلى تسربها تدريجياً خارج الغلاف الجوي.
ناقل كهربائي عملاق يرفع الغلاف الجوي ببطء نحو الفضاء
تكشف بيانات "إندورانس" أن هذا الحقل الكهربائي يعمل كأنّه "سلم كهربائي ضخم"، يدفع الغلاف الجوي رويداً رويداً إلى خارج حدود الأرض. وقد سجلت البعثة زيادة بنسبة 271% في كثافة الأيونات على ارتفاعات أعلى، ما يؤكد دور هذا الحقل كعامل رئيسي في "هروب الغلاف الجوي".
ما يميز هذا الاكتشاف هو أن العملية لا تعتمد على الحرارة أو التوهجات الشمسية، بل على الدفع الخفيف والدائم لهذا الحقل الضعيف، الذي ينقل الجزيئات المشحونة بشكل هادئ ومستمر عبر طبقات الغلاف الجوي العليا.
تأثير طويل الأمد على كوكب الأرض والكواكب الأخرى
تكمن أهمية هذا الاكتشاف في قدرته على شرح كيفية تغير الغلاف الجوي للأرض على مدى ملايين السنين. فالعملية، وإن كانت بطيئة، تسهم في إعادة تشكيل مكونات الهواء الذي نتنفسه، خصوصاً من خلال فقدان العناصر الخفيفة كالهيدروجين.
ويقول كولينسون:
"أي كوكب يملك غلافاً جوياً، يجب أن يكون له حقل كهربائي أمبيبولاري مشابه"
وهذا يعني أن نفس الظاهرة قد تكون مسؤولة عن فقدان الغلاف الجوي على كواكب مثل المريخ والزهرة، وربما تسهم في تحديد صلاحيتها للحياة أو تفسير اندثارها السابق.
إن هذا الاكتشاف لا يغيّر فقط فهمنا لكوكب الأرض، بل يفتح أيضاً باباً جديداً أمام البحث عن الحياة في كواكب أخرى، من خلال تحليل سلوك الحقول الكهربائية وتأثيرها على استقرار الغلاف الجوي عبر العصور.