إنفيديا تتجه بقوة نحو الحوسبة الكمّية الهجينة: شراكات استراتيجية لرسم ملامح الجيل التالي من المعالجة الفائقة

4 د
أعلنت إنفيديا عن بناء مركز أبحاث كمّي متقدم في بوسطن، بالتعاون مع هارفارد وMIT.
تُعد D-Wave تطوّر بنية بلوكشين كمّية أكثر كفاءة من الأنظمة التقليدية.
شراكة بين إنفيديا وInfleqtion لإطلاق نظام تعلّم آلي يعتمد على الحوسبة الكمّية.
كشفت SEEQC عن أول نموذج لواجهة رقمية تربط بين الشرائح الكمّية والمعالجات التقليدية، مع استهلاك طاقة فائق الانخفاض.
في تحوّل لافت يعكس تسارع خطى الابتكار في عالم التكنولوجيا، أعلنت شركة إنفيديا عن إطلاق أول مركز أبحاث مخصص للحوسبة الكمّية، وذلك ضمن فعاليات مؤتمر GTC 2025، في خطوة تُعد من الأكثر طموحًا في تاريخ الشركة. ورغم أن الرئيس التنفيذي للشركة، جنسن هوانغ، كان قد صرّح في وقت سابق أن الحوسبة الكمّية قد تحتاج لعقود قبل أن تصبح مفيدة على نطاق واسع، فإن إعلان هذا الأسبوع يكشف عن توجّه جديد يراهن على تسريع دمج هذه التقنية المستقبلية مع الذكاء الاصطناعي والحوسبة الفائقة.
نقلة نوعية: مركز إنفيديا لأبحاث الحوسبة الكمّية في بوسطن
خلال جلسة نقاشية في المؤتمر، كشف جنسن هوانغ عن خطط إنفيديا لإنشاء مختبر أبحاث للحوسبة الكمّية في مدينة بوسطن، سيُعرف باسم "Nvidia Accelerated Quantum Research Center" أو NVAQC، ويهدف إلى تطوير ما يُعرف بـ"الحوسبة الكمّية الهجينة المسرَّعة".
المختبر الجديد، وفق هوانغ، "سيكون على الأرجح الأكثر تقدماً في العالم" من حيث الدمج بين الحوسبة الكمّية والحوسبة التقليدية الفائقة. وقد اختيرت بوسطن تحديداً لتسهيل التعاون مع جامعات عريقة مثل هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، ما يمنح المشروع زخمًا أكاديميًا وعلميًا كبيرًا.
تأكيد على الاستمرارية رغم التصريحات السابقة
ورغم أن هوانغ صرّح في يناير الماضي بأن الحوسبة الكمّية قد تبقى غير مجدية عمليًا لعشرين عامًا على الأقل، إلا أنه حرص على التأكيد بأن خطط إنشاء المختبر كانت معدّة سلفًا، في محاولة على ما يبدو لطمأنة الأسواق بعد أن تسببت تصريحاته السابقة في تراجع أسهم شركات الحوسبة الكمّية.
الكمّ يلتقي البلوكشين: D-Wave تعلن عن اختراق تقني
من جهة أخرى، استغلّت شركة D-Wave الكندية المناسبة لتقديم ورقة بحثية جديدة تُعلن فيها عن تطوير بنية "بلوكشين كمّية"، تعتمد على خوارزمية جديدة تُثبت المفهوم المعروف بـ"إثبات الكمّ" (Proof of Quantum). هذه الخوارزمية تستخدم الحوسبة الكمّية لتوليد والتحقق من "هاشات" البلوكشين، بطريقة أسرع وأكثر كفاءة من تلك التي تعتمد على وحدات معالجة الرسوميات (GPUs).
ووفقاً للرئيس التنفيذي لشركة D-Wave، آلان باراتز، فإن التكنولوجيا الجديدة تُتيح بناء بلوكشين أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، ما يمكن أن يفتح آفاقاً لتطبيقات في العملات المشفرة، وسلاسل التوريد، والرعاية الصحية، والتحقق من الهوية، والتمويل اللامركزي.
تعزيز الذكاء الاصطناعي: تعلّم آلي سياقي من Infleqtion بالتعاون مع إنفيديا
من بين أبرز الابتكارات أيضاً، قدّمت شركة Infleqtion نهجاً جديداً للتعلّم الآلي أطلقت عليه "التعلّم الآلي السياقي" (Contextual Machine Learning)، وهو نظام تم تطويره بالشراكة مع إنفيديا، يعتمد على القدرات الكمّية لتعزيز أداء نماذج الذكاء الاصطناعي.
تتيح هذه المنهجية الجديدة للنماذج قراءة وتحليل كمّ أكبر من البيانات، لفترات زمنية أطول، ومن مصادر متعددة في الوقت نفسه، ما يرفع من قدرتها على التنبؤ بالأنماط، واتخاذ قرارات فورية أكثر دقة في مجالات مثل تحليل البيانات الحسية أو التوقعات البيئية والطبية.
رابط رقمي بين العوالم: SEEQC تكشف عن واجهة تجمع بين الكمّ والتقليدي
أما شركة SEEQC، المتخصصة في تطوير عتاد الحوسبة الكمّية، فقد أعلنت بالتعاون مع إنفيديا عن أول نموذج تجريبي لواجهة رقمية تربط بين وحدات المعالجة الكمّية ووحدات المعالجة التقليدية. هذه الواجهة تُعد خطوة مهمة نحو تصميم شرائح تتواصل مباشرة بين النظامين، وتعمل بكفاءة في درجات الحرارة المنخفضة التي تتطلبها الكيوبتات.
وأوضح جون ليفي، الرئيس التنفيذي لشركة SEEQC، أن النموذج يدمج الوظائف الأساسية لكمبيوتر كمّي على شريحة واحدة، قادرة على العمل في نفس البيئة الحرارية للكيوبتات، ما يفتح الباب لتصميم معالجات هجينة دون التأثير على استقرار النظام الكمّي. واللافت أن هذه الشرائح تستهلك طاقة أقل بمليار مرة من الشرائح التقليدية، مما يجعلها حلاً واعدًا لتجاوز التحديات الحرارية في هذا المجال.
المشهد العام: من المفهوم الأكاديمي إلى السوق
تأتي هذه الإعلانات في ظل موجة تسارع عالمية في مجال الحوسبة الكمّية، حيث كانت شركات كبرى مثل مايكروسوفت، وأمازون ويب سيرفيسز، وغوغل قد أعلنت سابقاً عن استثمارات ضخمة في المجال.
ويبدو أن هذا التوجه يعكس تحوّلاً من اعتبار الحوسبة الكمّية مجرد فرع أكاديمي تجريبي، إلى كونها أداة عملية يُمكن تسويقها واستخدامها في مجالات متعددة. كما أشار أوسكار بينتر، مدير قسم العتاد الكمّي في AWS، فإن الصناعة تقف اليوم عند "نقطة تحول حقيقية"، وهذا يفسر الزخم الكبير حول التقنية.
في النهاية، رغم أن الاستخدام الفعلي للحوسبة الكمّية ما يزال بعيداً عن التحقق الكامل، فإن ما أعلنته إنفيديا وشركاؤها يشير إلى أن الصناعة تسير بخطى واثقة نحو مرحلة جديدة، حيث يُعاد تعريف مفاهيم السرعة والقدرة في معالجة البيانات. ومع دعم من شركات كبرى ومراكز أبحاث عالمية، قد لا يكون "الكمّ" مجرد حلم نظري، بل منصة حقيقية لتطوير الطب، واستكشاف المواد، وإعادة بناء الإنترنت ذاته.