بعيدًا عن المُعجلات: الحوسبة الكمومية ترصد خفايا الكون في بعدين

3 د
استخدم باحثون من إنسبروك وووترلو الكودت بدلاً من الكيوبت لمحاكاة تفاعلات كمومية معقدة.
يسمح الكودت بتمثيل الجسيمات في خمس حالات متراكبة، مما يُحسّن دقة محاكاة الحقول الكمومية.
نجحت الدراسة في تمثيل التفاعل الكهرومغناطيسي في بعدين، وهو ما لم يكن ممكنًا سابقًا.
يُتوقع أن تساعد التقنية الجديدة في فهم أعمق للقوة النووية الشديدة ونماذج فيزياء الجسيمات ثلاثية الأبعاد.
في تطور لافت في مجال فيزياء الجسيمات، أعلن فريق من الباحثين من جامعتي إنسبروك النمساوية ووترلو الكندية عن إنجاز علمي جديد باستخدام الحوسبة الكمومية، كشفوا من خلاله عن خصائص خفية للتفاعلات الكهرومغناطيسية بين الجسيمات تحت الذرية، وذلك باستخدام تقنية جديدة تعتمد على "الكودِت" بدلًا من "الكيوبت". ويُعد هذا الكشف خطوة مهمة نحو فهم أعمق للفيزياء الأساسية التي تحكم الكون، خاصة أن التجارب التقليدية كانت تعاني من صعوبة في محاكاة مثل هذه الظواهر المعقدة، وقد نُشرت نتائج الدراسة في مجلة Nature Physics.
عرض مفصل للأحداث والاكتشاف
منذ عقود، يمثّل "النموذج القياسي" لفيزياء الجسيمات الإطار النظري الأكثر اكتمالًا لفهم القوى والجسيمات الأساسية في الكون. هذا النموذج يشرح بدقة كيفية تفاعل المادة والمادة المضادة عبر قوى مثل القوة الكهرومغناطيسية. لكن رغم دقته النظرية، فإن اختبار هذه الفرضيات تجريبيًا يتطلب طاقة هائلة تفوق حدود معظم المعجلات التقليدية، ما دفع العلماء إلى اعتماد المحاكاة الرقمية كوسيلة بديلة لدراسة نظريات الحقول الكمومية.
في هذا السياق، اتجه الباحثون إلى الحوسبة الكمومية، ولكن هذه المرة بتقنية جديدة تقوم على استخدام ما يُعرف بـ"الكودت" (qudits)، وهي امتداد للكيوبت (qubit) التقليدي المستخدم في معظم الحواسيب الكمومية.
الكيوبت يتميز بقدرته على التواجد في حالتي "0" و"1" في الوقت نفسه بفضل خاصية "التراكب الكمومي"، ما يسمح له بتخزين معلومات أكثر من البِت الكلاسيكي. الكودت يذهب إلى أبعد من ذلك؛ إذ يمكنه التواجد في ثلاثة أو أكثر من الحالات في آنٍ واحد. في الدراسة الجديدة، استخدم الباحثون كودت يمكنه التواجد في خمس حالات متراكبة، ما مكّنهم من تمثيل البُنية متعددة الأبعاد للحقول الكمومية بشكل أكثر دقة.
من خلال دمج خوارزمية متخصصة طوّرت في جامعة ووترلو مع جهاز كمومي متطور في جامعة إنسبروك، استطاع الفريق محاكاة تفاعلات الجسيمات تحت الذرية بدقة غير مسبوقة، خاصة تلك المتعلقة بالكهروديناميكا الكمومية (QED)، وهي النظرية التي تصف التفاعل الكهرومغناطيسي بين الجسيمات المشحونة.
التحول من بُعد واحد إلى بعدين
في عام 2016، أجرى نفس الفريق تجربة سبّاقة تمكنوا خلالها من دراسة ظاهرة تولّد أزواج من الإلكترونات والبوزيترونات من الفراغ، إلا أن هذه الدراسة كانت محدودة بالحركة في بعد واحد فقط. أما في البحث الحالي، فقد استخدموا الكودت للسماح للجسيمات بالحركة في بعدين، وهو ما أتاح دراسة ظواهر لم يكن بالإمكان رصدها سابقًا، مثل تشابك الجسيمات الناتج عن توليدها من الفراغ، وتأثير الحقول المغناطيسية التي تنشأ من حركة الجسيمات في فضاء ثنائي الأبعاد.
وقد نجح الباحثون فعليًا في رصد الخصائص الأساسية للكهروديناميكا الكمومية في بعدين، بما في ذلك التفاعل الكهرومغناطيسي بين الجسيمات المشحونة، والحقول المغناطيسية التي تظهر أثناء حركتها. هذه الخطوة تمهّد الطريق نحو محاكاة ثلاثية الأبعاد لتفاعلات الجسيمات، وهو الهدف الأسمى في هذا المجال، إذ يمثل تقاطع العلم النظري مع الواقع المادي للكون.
آفاق جديدة لفهم القوى النووية
أوضح الباحثون أنه مع استخدام عدد إضافي من الكودت، سيكون بالإمكان التوسّع في دراسة القوة النووية الشديدة، وهي القوة التي تُبقي النواة الذرية متماسكة، والتي ما تزال تمثّل أحد أعقد الألغاز الفيزيائية. وقال مارتن رينغباور، أحد المشاركين في الدراسة من جامعة إنسبروك، في بيان صحفي: "نشعر بالحماسة حيال الإمكانيات التي تفتحها الحواسيب الكمومية أمامنا لفهم هذه الأسئلة العميقة والمثيرة في الفيزياء".
هذا التقدم اللافت في استخدام الكودت داخل الحوسبة الكمومية يمثل علامة فارقة في طريق العلماء نحو بناء نماذج محاكاة كمومية دقيقة لتفاعلات الجسيمات الأساسية. وفي الوقت الذي ما تزال فيه الحواسيب الكمومية في مراحلها التجريبية الأولى، يُثبت هذا الإنجاز أنها تحمل في طياتها وعودًا علمية هائلة قد تغيّر مستقبل الفيزياء النظرية والتجريبية على حد سواء.