اكتشاف أثري مذهل: آثار أقدام تكشف تعايش أقرباء البشر الأوائل قبل 1.5 مليون عام

3 د
اكتُشفت آثار أقدام متحجرة في كينيا تعود إلى 1,5 مليون عام، مؤكدة تعايش الهومو إريكتوس وبارانثروبوس بويزي في نفس البيئة.
أظهرت آثار الأقدام اختلافات في المشي بين النوعين، ما يعكس تباينًا في البنية الجسدية وطريقة الحركة.
يرجح العلماء أن التعايش كان ممكنًا بسبب اختلاف الأنظمة الغذائية، لكن التغيرات المناخية قد تكون سببًا في انقراض بارانثروبوس بويزي.
يفتح الاكتشاف آفاقًا جديدة لدراسة سلوك البشر الأوائل، بما في ذلك احتمالات التعاون أو التنافس أو التجنب بين الأنواع.
في اكتشاف علمي غير مسبوق، كشف علماء الآثار عن مجموعة من آثار الأقدام المتحجرة في شمال كينيا، يعود تاريخها إلى 1.5 مليون عام، مؤكدة أن نوعين من أسلاف البشر، الهومو إريكتوس (Homo erectus) وبارانثروبوس بويزي (Paranthropus boisei)، عاشا في نفس البيئة لفترة امتدت لأكثر من 200 ألف عام. هذا الاكتشاف يثير تساؤلات جوهرية حول أسباب بقاء أحد النوعين واختفاء الآخر، ويقدم رؤية جديدة حول طرق التعايش والتنافس بينهما.
نافذة نادرة على التعايش القديم
لطالما تساءل العلماء عما إذا كانت الأنواع البشرية القديمة قد تقاسمت نفس المناطق أم أن الحواجز البيئية فصلت بينها. الأدلة السابقة المستندة إلى العظام والأدوات المكتشفة أشارت إلى إمكانية التعايش، لكن لم يكن هناك دليل قاطع—حتى الآن.
دراسة حديثة نُشرت في مجلة ساينس حلّلت آثار أقدام متحجرة عُثر عليها في طبقات رسوبية قديمة قرب بحيرة توركانا، وهي منطقة تشتهر بسجلها الغني في حفريات أسلاف البشر. وأكدت هذه الآثار أن الهومو إريكتوس، السلف المباشر للإنسان الحديث، وبارانثروبوس بويزي، وهو نوع يتميز ببنية جسدية قوية وفك قوي متكيف مع نظام غذائي نباتي، قد تحركا عبر نفس المشهد الطبيعي وفي الفترة الزمنية ذاتها.
يقول كيفن هاتالا، الباحث الرئيسي من جامعة تشاتام:
"إن آثار الأقدام تُعد أدلة حية تمنحنا لمحة فريدة عن أسلافنا القدماء، فهي تُظهر كيف كانوا يتحركون في بيئتهم، وقد تساعد في الكشف عن تفاعلاتهم مع بعضهم البعض وحتى مع الحيوانات الأخرى."
ما تكشفه آثار الأقدام أكثر مما توضحه العظام
رغم أن العظام المتحجرة تكشف عن الأنواع التي عاشت في الماضي وأماكن وجودها، إلا أنها لا تقدم معلومات مباشرة حول سلوك هذه الكائنات. أما آثار الأقدام، فهي تقدم نظرة حية على كيفية تنقلها، ومدى تكرار زيارتها لمواقع معينة، وحتى احتمال وجود تفاعلات مباشرة بينها.
عند فحص آثار الأقدام المكتشفة، لاحظ العلماء اختلافات واضحة بين النوعين. فقد أظهرت آثار أقدام الهومو إريكتوس نمط مشي يشبه إلى حد كبير المشي الحديث، بخطوات طويلة وكفاءة حركية عالية. أما بارانثروبوس بويزي، فقد أظهرت آثار أقدامه وقفة أعرض ونمط مشي مختلف قليلاً، ما يعكس بنيته الجسدية الأكثر صلابة.
كما كشفت عمليات التنقيب في مواقع قريبة عن المزيد من آثار الأقدام لكلا النوعين، ما يشير إلى أنهما ترددا بشكل متكرر على هذه البيئات القريبة من البحيرات لمدة لا تقل عن 200 ألف عام.
التنافس أم التكيف؟ ما الذي أدى إلى انقراض أحد النوعين؟
يثير هذا الاكتشاف سؤالًا محوريًا: إذا كانت هذه الأنواع قد عاشت في نفس البيئة، فهل تنافست على الموارد، أم أنها تبنت استراتيجيات تكيف مختلفة؟
يعتقد العلماء أن الهومو إريكتوس وبارانثروبوس بويزي تمكنا من التعايش بسبب اختلاف أنظمتهما الغذائية. فبينما كان الهومو إريكتوس يستخدم الأدوات ويستهلك نظامًا غذائيًا متنوعًا يشمل اللحوم، كان بارانثروبوس بويزي يعتمد أكثر على النباتات القاسية والألياف.
لكن هذا التعايش انتهى في النهاية، حيث انقرض بارانثروبوس بويزي بينما ازدهر الهومو إريكتوس وتطور ليصبح السلف المباشر للإنسان الحديث. وتشير الدراسة إلى أن التغيرات المناخية قد لعبت دورًا رئيسيًا في هذه النتيجة، حيث أدى تغير المناخ إلى تبدلات في توفر الموارد الغذائية، ما أثر على بقاء أحد النوعين.
يقول هاتالا:
"ربما ساهمت التغيرات المناخية في تغيير توزيع الموارد، ما أدى إلى انقراض بارانثروبوس واستمرار الهومو إريكتوس."
آفاق جديدة في دراسة تطور البشر
يفتح هذا الاكتشاف آفاقًا جديدة للبحث في تطور البشر الأوائل. يخطط العلماء لمواصلة التنقيب في المنطقة لمعرفة ما إذا كانت هناك آثار أقدام أخرى يمكن أن تكشف المزيد عن التفاعلات بين هذه الأنواع، مثل أنماط السلوك الجماعي أو حتى دلائل على وجود بنى اجتماعية مبكرة.
كما سيركز البحث المستقبلي على تحليل مواقع أخرى قريبة لتحديد ما إذا كانت هذه الأنواع قد تفاعلت مباشرة أو احتلت مناطق متداخلة دون اتصال مباشر. قد يساعد المزيد من الدراسات على كشف ما إذا كان بينهما أشكال من التعاون أو التجنب أو حتى الصراع.