ذكاء اصطناعي

جيل Z يعود إلى “تويتر التسعينيات”: لماذا تحوّل الشباب إلى تامبلر هرباً من فيسبوك وتويتر وإيلون ماسك؟

فريق العمل
فريق العمل

5 د

50% من مستخدمي تامبلر الشهريين في 2025 ينتمون إلى جيل Z، وكذلك 60% من المستخدمين الجدد.

يعود انجذاب الشباب إلى المنصة إلى حنين رقمي ورغبة في مساحات أقل استعراضاً وأكثر خصوصية.

تعرضت تامبلر لتحديات تجارية كبيرة، أبرزها ضعف القدرة على تحقيق الأرباح بسبب طابعها الرافض للإعلانات.

تسعى الإدارة الحالية (Automattic) لإدخال ميزات جديدة دون المساس بجوهر المنصة الفني والثقافي.

في الوقت الذي باتت فيه منصات التواصل الاجتماعي الكبرى مثل فيسبوك وتويتر (التي أصبحت تُعرف الآن بـX) مسرحاً للصراعات السياسية والمحتوى الاستهلاكي المكرر، وجد جيل Z ملاذاً رقمياً غير متوقَّع في منصة قديمة تعود إلى أوائل الألفية: تامبلر.

رغم أنها بدت وكأنها طوت صفحتها بعد استحواذ ياهو عليها عام 2013 مقابل 1.1 مليار دولار، ثم بيعها لاحقاً مقابل مبالغ زهيدة، إلا أن تامبلر تعيش اليوم لحظة انتعاش نادرة، يقودها شباب يبحثون عن فضاء إلكتروني مختلف — أكثر خصوصية، أقل استعراضاً، وأكثر عمقاً وحرية.


تامبلر... المنصة التي رفضت أن تصبح نسخة من فيسبوك

في أوج شهرتها، تميزت تامبلر بطابعها الفني والثقافي، وبكونها مساحة لنشر الصور، والاقتباسات، والميمز، ومشاركات المعجبين بأعمال فنية أو موسيقية أو تلفزيونية. لم تكن منصة لبناء "هوية رقمية" أو تسويق الذات، بل فضاءً للتعبير عن الذات دون قيود. وهذا ما يجعلها اليوم، بعد سنوات من التراجع، مغرية من جديد لشريحة من المستخدمين فقدت الثقة في التيار السائد على الإنترنت.

وفقاً لبيانات شاركتها تامبلر مع Business Insider، فإن 50% من مستخدمي المنصة النشطين شهرياً في عام 2025 ينتمون إلى جيل Z، بينما يشكّل أبناء هذا الجيل 60% من المستخدمين الجدد. وقد عاد إلى المنصة عدد من رموز الثقافة الشبابية، مثل المؤلف جون غرين (صاحب "The Fault in Our Stars") والمغنية هالزي.


لماذا يعود الشباب إلى الماضي الرقمي؟

تقول أماندا برينان، التي عملت في تامبلر سبع سنوات كرئيسة للمحتوى، إن جيل Z ينجذب إلى "رومانسية الإنترنت في أوائل الألفينات". فحين كانت الهوية الرقمية أكثر مرونة، ولم يكن كل شيء مرتبطاً بالوجه الحقيقي والاسم الحقيقي، كما هي الحال اليوم.

تضيف برينان، التي ما تزال تدير حسابها على المنصة وتُعرف بلقب "أمينة مكتبة الميمز":


"تامبلر يتيح لك أن تختبر وتشارك دون أن تكون مراقباً"

جزء من هذه العودة إلى الماضي الرقمي يعود إلى غياب البدائل. فصناعة التكنولوجيا لم تعد تولّد منصات جديدة بوتيرة سريعة كما في العقد الماضي. سيطرة عمالقة التكنولوجيا على المشهد، مثل ميتا (فيسبوك وإنستغرام) وإكس (تويتر سابقاً)، جعلت من الصعب على منصات جديدة أن تزدهر، فبات الجيل الجديد يستكشف ما تبقّى من إرث الإنترنت القديم.


من الكاميرات الرقمية إلى تامبلر: حنين بصري ونفسي

الحنين إلى aesthetic الإنترنت في العقد الأول من الألفية لا يشمل فقط تامبلر، بل يمتد إلى كاميرات التصوير الرقمي، والهواتف القابلة للطي، وحتى اشتراكات جديدة في خدمات مثل Yahoo! وعودة مفاجئة لـNapster. كلها مؤشرات على سعي الشباب إلى الإنترنت "البسيط"، حيث كانت الأخطاء مسموحة، والهوية الرقمية أقل خضوعاً للتقييم والمقارنة.

مع انتشار الاضطراب والضجيج الرقمي خلال جائحة كورونا، باتت تامبلر ملاذاً آمناً بفضل تركيزها على الفن والثقافة بدلاً من الأخبار العاجلة أو نظريات المؤامرة. المنصة شهدت ارتفاعاً في عدد المستخدمين مع محاولة حظر TikTok في يناير الماضي، وأيضاً حين تم حجب X مؤقتاً في البرازيل.


بين الحميمية والتحديات الاقتصادية

تامبلر تشبه الإنترنت القديم؛ كل مستخدم يختار المحتوى الذي يريد أن يراه، دون خوارزميات تتلاعب بالتجربة. يقول فيودور إيفيرتس، شاب بلجيكي يبلغ 26 عاماً نشر أكثر من 250 ألف تدوينة على المنصة، إنه يعتبر مدوّنته "تيار وعي" و"دفتر يوميات"، يعيد نشر ما يلفت انتباهه دون سعي لبناء جمهور.

لكن هذا الطابع الحميمي كان "نقمة تجارية"، بحسب أماندا برينان، لأن المنصة تعارض الإعلانات وتأثير المشاهير. وعندما قررت تامبلر حظر المحتوى الجنسي الصريح في 2018، خسرت 30% من مستخدميها، مما أدى إلى بيعها لاحقاً إلى شركة Automattic (مالكة WordPress) مقابل 3 ملايين دولار فقط، أي 0.3% من قيمة استحواذ ياهو عليها سابقاً.


تامبلر في عهد جديد... ولكن بنفس الروح

رغم التقلبات، تقول الإدارة الجديدة إنها تسعى إلى الحفاظ على طابع المنصة الأصلي مع إدخال بعض الميزات الجديدة. أطلقت مؤخراً ميزة "المجتمعات"، التي تشبه مجموعات فيسبوك أو منتديات Reddit، لتجمع المستخدمين حسب اهتماماتهم. كما أطلقت "Tumblr TV"، أداة تتيح تصفح الفيديوهات والـGIFs بطريقة مشابهة لـTikTok.

في الوقت نفسه، دخلت Automattic في شراكة مع OpenAI وMidjourney لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على محتوى تامبلر، ما يفتح باباً جديداً لمصدر دخل محتمل.


نية لا مجرد انتباه: هل يجد تامبلر طريقه للربح أخيراً؟

في عصر يقيس فيه المعلنون النجاح بمدى جذب الانتباه، يرى أندرو روث، مؤسس شركة DCDX المتخصصة في أبحاث جيل Z، أن التركيز يجب أن يتحوّل إلى "النية". كيف يمكن للمنصات أن تُموّل نفسها عبر مساعدة المستخدمين على الوصول إلى أهدافهم، بدلاً من مجرد استهلاك انتباههم؟

توصي تامبلر المسوّقين بالتركيز على المجتمعات المتخصصة بدلاً من المشاهير والمؤثرين التقليديين. ومع أن المنصة ما تزال تحتل المرتبة العاشرة بين منصات التواصل في الولايات المتحدة، إلا أن بعض مستخدميها يرون في محدودية شعبيتها ميزة تعزز خصوصيتها وفرادتها.


الحميمية فوق الاستعراض

بالنسبة للكثير من مستخدمي تامبلر القدامى، فإن الميزات الجديدة ليست جوهرية. TJ سميث، شاب من تكساس عمره 25 عاماً، يقول إن تامبلر كانت أول مكان رقمي استطاع فيه التعبير عن نفسه بحرية منذ أن كان عمره 13 عاماً، خاصة في ظل تحدياته مع التوحد واكتشاف ميوله الجنسية والجندرية.

أما أشميتا شانثاكومار، البالغة من العمر 25 عاماً من ولاية يوتا، فتصف تامبلر بـ"مضاد وسائل التواصل الاجتماعي"، لأنه يتيح لها التفاعل مع الأعمال الفنية والمحتوى الذي تحبه دون ضغط المقارنة الاجتماعية الذي تشعر به على فيسبوك أو إنستغرام.


مستقبل الإنترنت قد يكون في الماضي

ذو صلة

في زمن تعاني فيه معظم المنصات الجديدة من فورة إعلامية دون تأثير حقيقي (مثل BeReal أو Noplace)، تُثبت تامبلر أنها، رغم قدمها، ما تزال قادرة على جذب جيل جديد يبحث عن عمق وخصوصية. وفي خضم فوضى "السوشال ميديا"، تبقى تامبلر أقرب إلى سجل شخصي هادئ — حيث يعيد الناس نشر صورة من فيلم قديم، أو لون متدرج بسيط، ويشعرون أن بإمكانهم التنفس.

ربما لا تحتاج تامبلر لاستعادة "رونقها" كما تفعل منصات أخرى، لكنها بالتأكيد بحاجة لإيجاد طريقة للاستمرار دون فقدان جوهرها.

ذو صلة