ذكاء اصطناعي

ناسا تنجح في التقاط إشارات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) على القمر 

فريق العمل
فريق العمل

4 د

نجح جهاز LuGRE لأول مرة في اكتساب وتتبع إشارات الملاحة العالمية على سطح القمر.

كسر الجهاز أرقاماً قياسية في الارتفاع خلال رحلته نحو مدار القمر.

فتح الاكتشاف الباب أمام الملاحة الذاتية والاستقلالية في البعثات الفضائية المستقبلية.

يمثل المشروع نموذجاً للتعاون الدولي بين ناسا ووكالة الفضاء الإيطالية وشركاء صناعيين وأكاديميين.

شهدت وكالة ناسا ووكالة الفضاء الإيطالية إنجازاً فريداً من نوعه في الثالث من مارس، حيث تمكنت شحنة الاختبار المعروفة باسم “لونيَر جي إن إس إس ريسيفر إكسبيرمنت” (LuGRE) لأول مرة من استقبال وتتبع إشارات الملاحة العالمية (GNSS) على سطح القمر نفسه. جاء هذا التطور المثير بعد هبوط مركبة الإنزال القمرية “بلو غوست” التابعة لشركة فايرفلاي إيروسبيس، والتي حملت على متنها جهاز LuGRE، ليصبح بذلك أحد أكثر الإنجازات التقنية أهمية في مجال استكشاف الفضاء العميق.

منذ وقت طويل والرحلات الفضائية إلى القمر تتطلب طرقاً معقدة لتحديد الموقع والاتصال، حيث تعتمد عادة على محطات التتبع الأرضية وفرق من المهندسين البشريين لتنفيذ عمليات الملاحة. إلا أنّ نجاح جهاز LuGRE في التقاط إشارات GPS وGalileo وسط الفضاء السحيق يُعدّ إنجازاً لافتاً، إذ يتيح إمكانية الملاحة شبه الذاتية للمهمات المستقبلية على القمر وربما في مواقع أبعد، مثل المريخ. وقد شكّل هذا الاختبار قفزة نحو أنظمة ملاحة فضائية أكثر استقلالية، وهو ما قد يكون بغاية الأهمية في سياق برنامج “أرتيميس” التابع لناسا، أو أي بعثة مستقبلية أخرى.


تفاصيل الإنجاز وتطوراته

نجح جهاز LuGRE في الوصول إلى القمر على متن مركبة فايرفلاي إيروسبيس “بلو غوست” التي هبطت بسلام في الثاني من مارس، حاملة معها 10 حمولات علمية وتقنية تابعة لناسا، وُضعَت على سطح القمر بهدف جمع البيانات وتعزيز فهمنا حول إمكانيات الملاحة الذكية خارج مدار الأرض. وما إن استقر الجهاز على سطح القمر حتى بدأ فريق التشغيل في مركز غودارد لرحلات الفضاء التابع لناسا (Greenbelt, Maryland) بإجراء عمليات الرصد العلمية الأولى.

وبحسب بيانات ناسا، فقد انطلق تدفق المعلومات من جهاز الاستقبال إلى المحطة الأرضية، ليطرح السؤال الكبير: هل بالإمكان فعلاً تتبع إشارات نظامي GPS وGalileo من هذا البعد الشاسع، واستخدامها في تحديد الموقع على السطح القمري؟ في تمام الثانية صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة يوم 3 مارس، أتت الإجابة الحاسمة: نجح جهاز LuGRE في رصد وتتبع إشارات أنظمة الملاحة العالمية على سطح القمر، وتمكن من إجراء ما يُعرَف بـ“تحديد الموقع” من مسافةٍ تقارب 225 ألف ميل عن الأرض.

هذا الإنجاز لم يتوقف عند سطح القمر فحسب، إذ سبقته نجاحات بارزة خلال رحلة المركبة إلى مدار القمر. ففي 21 يناير، نجح الجهاز في اكتساب أعلى إشارة تم تسجيلها من قبل، حيث تمكن من تتبع إشارات GNSS على ارتفاع نحو 209,900 ميل عن الأرض، محطماً رقماً قياسياً سابقاً حققته مهمة Magnetospheric Multiscale (MMS) التابعة لناسا. وارتفع سقف الإنجاز أكثر في 20 فبراير عندما بلغت المركبة مدار القمر على بُعد 243 ألف ميل عن الأرض، مما يؤكد أن المهمات التي تحلق ضمن نطاق الفضاء الواقع بين الأرض والقمر (cislunar space) قد تتمكن أيضاً من الاستفادة من هذه الإشارات لتحديد مواقعها بسرعة ودقة.


تصريح المسؤولين وأهمية الكشف

أوضح كيفن كوغينز، نائب المدير المساعد لبرنامج الاتصالات والملاحة الفضائية (SCaN) التابع لناسا، أن الإنسان يستخدم نظم الملاحة العالمية على الأرض في تطبيقاتٍ يومية متنوعة، بدءاً من الهواتف الذكية ووصولاً إلى الطائرات. وأشار إلى أن إثبات فعالية هذه الإشارات خارج نطاق الأرض يجعلنا على أعتاب جيل جديد من تقنيات الملاحة الفضائية. كما صرّح قائلاً:


“إنه اكتشاف مثير للغاية في مجال الملاحة القمرية، ونأمل أن نستفيد من هذه القدرة في البعثات المستقبلية.”

يتيح هذا الابتكار الجديد مرونةً غير مسبوقة للبعثات الفضائية، إذ تستطيع المركبات الاعتماد على إشارات GNSS مباشرة لتحديد موقعها وسرعتها والوقت بشكل ذاتي، مما يقلّص الاعتماد على مراكز التحكم الأرضية. ويشكل ذلك نقلة مهمة نحو تعزيز استقلالية المركبات في الفضاء البعيد.


الدور الإيطالي وشراكة مؤسسية دولية

تعود ملكية جهاز الاستقبال LuGRE إلى تعاون مشترك بين وكالة ناسا ووكالة الفضاء الإيطالية، مع شراكة صناعية من شركة Qascom وجامعة بوليتكنيكو دي تورينو. ومن خلال هذا الإنجاز، حققت وكالة الفضاء الإيطالية سابقةً في تاريخها بوصول أول معدّة فضائية إيطالية الصنع إلى سطح القمر. وتولت ناسا تمويل المشروع والإشراف عليه عبر مكتب برنامج SCaN، فيما أتاحت مبادرة خدمات الحمولة التجارية القمرية (CLPS) الفرصة لشركة فايرفلاي إيروسبيس لحمل هذا الجهاز ضمن 10 حمولات مختلفة.


آفاق مستقبلية

ذو صلة

قد يُحدث نجاح LuGRE نقلة نوعية في كيفية إدارة البعثات المستقبلية إلى القمر والمريخ وما بعدهما، عبر جعل المركبات الذاتية التنقل أكثر كفاءةً وأقل تكلفةً من الناحية التشغيلية. وعلى مدى 14 يوماً من العمل المتواصل على سطح القمر، سيستمر تدفق البيانات التي سترسم ملامح مستقبل الملاحة القمرية، فضلاً عن بلورة منظومة ذكية قد تعتمد عليها مهمات “أرتيميس” القادمة في سياق سعيها لإعادة رواد الفضاء إلى سطح القمر وبناء حضورٍ بشريٍ مستدامٍ على المدى الطويل.

في النهاية، تمثّل هذه القفزة في مجال الملاحة الفضائية دليلاً على تطور التقنيات الحديثة، واتساع آفاق التعاون الدولي في تمويل وتنفيذ المشاريع العلمية الكبرى. وبينما تمهد الإشارات الملتقطة على القمر الطريق أمام آليات ملاحةٍ شبه مستقلة، يبدو المستقبل واعداً بقدراتٍ أكثر تطوراً، سواء لتعزيز استكشاف القمر أم لدفع حدود المعرفة البشرية إلى الكواكب الأبعد. ومن المؤكد أن هذا الحدث سيكون له أثر عميق على استراتيجيات استكشاف الفضاء في السنوات المقبلة، ويؤكد عزم البشر على توسيع بصمتهم خارج كوكب الأرض، فهل تتحقق الأقاويل فعلًا التي تتحدث أنّ القمر هو الوجهة الجديدة للتخزين الأمن للبيانات.

ذو صلة