وداعًا للخوف من الإبر: التطعيم عبر خيط الأسنان قد يصبح واقعًا قريبًا

3 د
يجري تطوير تطعيمات عبر خيط الأسنان لحماية الجسم من الفيروسات والأمراض.
يستغل التطعيم نفاذية "النسيج الطلائي الوصلي" بين الأسنان واللثة لإيصال اللقاح.
التجربة تُظهر فعالية خيط الأسنان في تعزيز المناعة ضد الأمراض التنفسية.
قد تُغير التقنية مفهوم التطعيم التقليدي، خصوصًا لمن يخافون من الإبر.
مزيد من الأبحاث مطلوبة لضمان الفعالية والسلامة، لكن التفاؤل كبير.
تخيل عزيزي القارئ أن زيارتك اليومية للحمام واستخدامك لخيط الأسنان لا تقتصر فقط على تنظيف أسنانك، بل قد تتحول يومًا ما إلى وسيلة جديدة لحمايتك من الفيروسات والأمراض! هذا ما يبشر به نوع مبتكر من التطعيمات، يجري تطويره حاليًا على يد باحثين أمريكيين، حيث أثبتت التجارب إمكانية إعطاء اللقاحات من خلال الأنسجة الرقيقة الموجودة بين الأسنان واللثة، باستخدام خيط الأسنان العادي أو أعواد الأسنان المزودة بالخيط. ويبدو أن هذا النهج الثوري قد يغيّر مفهومنا عن اللقاح إلى الأبد، خاصة لمن يعانون من خوف الإبر أو يفضلون تجنبها.
إذا أردنا فهم أهمية هذا الاكتشاف، ينبغي أولًا إلقاء نظرة على ما يُسمى بـ"النسيج الطلائي الوصلي" داخل الفم. هذا النسيج الدقيق يقع في أعماق الفراغ الضيق الذي ينتج بين السن واللثة، ويتميز بنفاذية عالية مقارنة بأنسجة الجسم الأخرى. وبفضل تلك النفاذية، أصبحت هذه المنطقة مثالية لإيصال اللقاح إلى جسم الإنسان بغير حاجة إلى وخزة إبرة، بل يمكن وضع اللقاح على خيط أسنان وإدخاله برفق بين الأسنان، حيث يتفاعل مباشرة مع الخلايا المناعية القريبة من السطح.
وهنا تتضح الصلة بين آلية عمل الجسم المناعي وحاجتنا لهذا الابتكار، فالأغشية المخاطية في الفم والأنف والرئة تُعد من البوابات الرئيسية لدخول مسببات الأمراض مثل الإنفلونزا وفيروس كورونا. ورغم أن اللقاح التقليدي بالحقن يرفع من مناعة الدم، إلا أنه لا يساهم بنفس القوة في بناء دفاعات مناعية في تلك المناطق. في المقابل، عندما يُحقن اللقاح عبر الغشاء المخاطي - كما في التقنية الجديدة باستخدام النسيج الطلائي الوصلي - تبدأ الخلايا المناعية المحلية بإنتاج أجسام مضادة إضافية، ما يوفر "خط دفاع" جديد في الوجهة التي تهاجم منها الفيروسات عادة.
فعالية الطريقة… تجربة عملية واعدة
نتائج الأبحاث التي أجريت حتى الآن تبشّر بإمكانيات هائلة. فقد قارن العلماء بين اللقاح الموضوع على خيط الأسنان والمُستخدم في فم الفئران، وبين طرق أخرى معروفة مثل التنقيط الأنفي، أو وضع اللقاح تحت اللسان. وتبين أن الطريقة الجديدة كانت الأفضل في إحداث استجابة مناعية قوية على مستوى الأغشية المخاطية، فضلاً عن عدم وجود مخاطر انقلاب اللقاح إلى الدماغ كما قد يحدث في بعض التطعيمات الأنفية.
ومن المثير للاهتمام أن تجربة استخدام خيط الأسنان المكسو بصبغة غذائية على 27 مشاركًا من البشر، كشفت أن ما يقارب 60% من المواد تم ترسيبها بدقة في جيب اللثة المستهدف، مما يعزز إمكانية تطبيق الفكرة يوميًا بواسطة أعواد الخيط (Floss Picks) سهلة الاستخدام. هذه النتيجة، وإن كانت أولية، تدل على أن التطعيم بهذه الوسيلة لن يحتاج إلى معدات خاصة وربما يكون بمتناول الجميع دون ألم أو رهبة.
هذا الإنجاز يفتح الباب أمام آفاق واسعة لوقاية المجتمع من أمراض الجهاز التنفسي وتطوير اللقاحات في المستقبل، خاصة وأن العلماء أكدوا نجاح الطريقة مع أنواع مختلفة من اللقاحات: مثل تلك المعتمدة على البروتينات، الفيروسات المعطلة، وحتى تقنيات الـmRNA الحديثة. كما قد تحل التقنية جزءاً من مشكلة النفور الشائع من الإبر خصوصًا لدى الأطفال والبالغين الذين يعانون من رهاب الإجراءات الطبية التقليدية.
لكن الطريق أمام هذا الابتكار ما زال يتطلب المزيد من الدراسات، خصوصًا حول فعاليته لدى المصابين بأمراض اللثة أو الأطفال الذين لم تنبت أسنانهم بعد. الباحثون أيضًا بحاجة لمتابعة سلامته في بعض الحالات السريرية، إلا أن التفاؤل يحيط بالفكرة بفضل بساطتها، وسهولة تطبيقها، وقابليتها للمنافسة مستقبلًا من حيث التكلفة مقارنة بأنظمة التطعيم التقليدية أو تلك المعتمدة على الرذاذ الأنفي.
وختامًا، يبدو أننا على مشارف ثورة جديدة في عالم اللقاحات. بات بالإمكان قريبًا أن نحصل على مناعة فعالة دون وخز أو ألم، عبر خطوات بسيطة داخل روتين العناية اليومي بأسناننا. الأيام القادمة وحدها ستحدد مدى نجاح هذه الطفرة العلمية، لكن المؤكد أن أخبار مثل هذه ستظل تثير الدهشة والتساؤل وتفتح أمامنا آمالًا لا حصر لها في الوقاية الصحية والابتكار العلمي.