انهيار فقاعة الذكاء الاصطناعي… وولادة فقاعة جديدة بدأت بالفعل
تشهد الأسواق المالية تكرارًا لدورات الفقاعات كما حدث مع الدوت كوم والعملات المشفرة.
تقارير تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل نصف الاستثمارات الخاصة عالميًا حاليًا.
بدأت تظهر مؤشرات التشبع مما قد يؤدي إلى إعادة تقييم الشركات.
السوق يكرر نفس الأخطاء بالتفاؤل الزائد الذي لا يعود دائمًا بفوائد.
تتركز الثروة حول التقنيات الجديدة مما يزيد من الفجوة الاقتصادية.
تتكرر المشاهد ذاتها في الأسواق المالية كل عقد تقريبًا؛ موجة من الحماس، ووعود بتغيير العالم، ثم اندفاع في الاستثمار والمضاربة، يليهما ركود مؤلم يعيد الجميع إلى أرض الواقع. اليوم، يبدو أن الذكاء الاصطناعي يعيش ذروة هذه الدورة، فيما يتهيأ المستثمرون فعليًا لبناء فقاعتهم التالية.
فقاعة الذكاء الاصطناعي.. تصاعد غير قابل للاستمرار
يصف محللون اقتصاديون المشهد الحالي بأنه تكرار كلاسيكي لتاريخ طويل من الفقاعات التقنية؛ من فقاعة الإنترنت أواخر التسعينيات، إلى اضطراب العملات الرقمية وطفرة الرموز غير القابلة للاستبدال. الذكاء الاصطناعي اليوم يقف في النقطة ذاتها، إذ يشكّل نحو نصف الاستثمارات الخاصة حول العالم، وفقاً لتقارير متعددة عن سلوك السوق. هذه السرعة المفرطة في ضخ الأموال لا تعكس فقط تطورات تقنية حقيقية، بل تغذيها أيضًا توقعات مضخّمة وأوهام نمو لا نهائي.
يشير الخبراء إلى أن مؤشرات التشبع بدأت تلوح في الأفق، سواء من ناحية تكلفة الحوسبة أو صعوبة ابتكار نماذج جديدة تحقق قفزات نوعية. وهو ما يوحي بأننا أمام مرحلة قد يعيد فيها السوق تقييم قيمة الشركات العاملة في هذا القطاع، وعندها قد تنفجر الفقاعة كما حدث في موجات سابقة.
من الإنترنت إلى الكريبتو.. دروس لم تُستوعب بعد
لقد علمتنا فقاعة الدوت كوم عام 2000 أن التفاؤل الزائد بالتقنية يمكن أن يتحول سريعًا إلى فشل جماعي عندما تتجاوز التوقعات الواقع. تكرر المشهد في فوضى «بلوكتشين» و«العملات المشفرة»، حيث استبدلت الأحلام بالخيبة فور انكشاف ضعف البنية الاقتصادية وراء المشاريع الطموحة. واليوم، يبدو أن حمى الذكاء الاصطناعي تجمع بين ملامح كل تلك التجارب السابقة.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال ما يحدث في مجرد فقاعة استثمارية؛ فالتقنية ذاتها أحدثت تحولات فعلية في مجالات البحث والتعليم والصناعة والإبداع البشري. لكن تاريخ الأسواق يُظهر أن القفز فوق حدود العلم لصالح المضاربة هو ما يحوّل الابتكار إلى فخ مالي شامل.
الفقاعة التالية.. نحو سراب جديد
حين يشعر رأس المال بأن رحلة الذكاء الاصطناعي اقتربت من محطتها الأخيرة، تبدأ العيون في البحث عن مجال بديل يعِد بجولة أرباح جديدة. بعض المؤشرات تلمّح إلى أن الاتجاه المقبل قد يكون في مزيج من التقنيات المناخية أو «الذكاء الاصطناعي الحيوي»، وأخرى تشير إلى سباق الفضاء التجاري والتقنيات الاستهلاكية المدعومة بالبيانات الكمية.
بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بنهاية الذكاء الاصطناعي بقدر ما هو استمرار للنمط نفسه من السلوك الاقتصادي، حيث تتركّز الثروة حول الفكرة الساخنة التالية. المستثمرون تعلموا كيف يقفزون من فقاعة إلى أخرى دون خسائر كبيرة، غير أن المجتمعات والاقتصادات الأصغر غالبًا ما تدفع الثمن.
ما بين الابتكار والاستغلال
يُظهر التاريخ أن كل طفرة تقنية كبرى بدأت بحماس مشروع وانتهت باندفاع غير عقلاني. المعضلة أن الحدود بين التطوير الحقيقي والاستغلال التسويقي تزداد ضبابية كل مرة. وإذا لم تُبنَ الثقة على نتائج ملموسة وقيم اقتصادية مستدامة، فإن أي «ثورة» قادمة ستتحول سريعًا إلى صدى من وعود غير مكتملة.
ربما آن الأوان للنظر إلى الاستثمار التقني بنضج أكبر، يتجاوز الانبهار المؤقت إلى فهم عميق لدور الذكاء الاصطناعي في تحسين حياة البشر لا في تضخيم المؤشرات المالية. فالتقنية ليست سرابًا، لكنها يمكن أن تتحول إليه حين نغفل أن قيمتها الحقيقية تُقاس بما تضيفه إلى الواقع، لا بما تُباع به في الأسواق.










