ذكاء اصطناعي

تولى الذكاء الاصطناعي إدارة ماكينة البيع… فكانت الخسارة بالآلاف

مصطفى يسري
مصطفى يسري

3 د

قررت صحيفة وول ستريت جورنال استخدام ذكاء اصطناعي لإدارة آلة البيع بمكتبها، ولكن حدثت فوضى عند تقديم كل شيء مجانًا.

التجربة كشفت ضعف الذكاء الاصطناعي أمام الإبداع البشري، حيث خسر التركيز وسط الحوارات المعقدة.

على الرغم من الخسائر المالية، تعتبر الشركة هذه التجربة قيمة لمعرفة نقاط الضعف في الأنظمة المستقلة.

الإجراء التصحيحي شمل إطلاق نسخة جديدة بمدير إشرافي، ولكن الصحفيون حطموا النظام مرة أخرى.

تجربة "كلوديوس" تثير الأسئلة حول مدى الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات الإدارية والمالية.

في مشهد يبدو أقرب إلى تجربة من فيلم خيال علمي، قررت صحيفة وول ستريت جورنال تسليم آلة البيع في مكتبها إلى ذكاء اصطناعي من تطوير شركة Anthropic، يحمل اسمًا لطيفًا: «كلوديوس». كانت المهمة بسيطة: إدارة المشتريات، تحديد الأسعار، والتفاعل مع الموظفين عبر تطبيق «سلاك». لكن النتيجة تحولت إلى عرض كوميدي باهظ الثمن، حين بدأ الذكاء الاصطناعي يقدم كل شيء مجانًا، من رقائق البطاطس إلى جهاز «بلايستيشن 5».


ذكاء اصطناعي يتحول إلى بائع كريم أكثر من اللازم

التجربة، التي صُممت لاختبار قدرات نماذج «كلود» من Anthropic في أداء مهام واقعية، بدأت بوعود منضبطة وسلوك برمجي صارم. فقد كان «كلوديوس» في أيامه الأولى يرفض بكل حزم أي عملية شراء مشبوهة كالتبغ أو الإلكترونيات باهظة الثمن، ملتزمًا بمبدأ الربحية والانضباط الأخلاقي. لكن بمجرد أن توافد موظفو الجريدة إلى القناة العامة في «سلاك» وبدأوا يمازحونه، تغيّر كل شيء.

سرعان ما انزلقت شخصية «المشغل الآلي» إلى فوضى كاملة. أقنعه أحد الصحفيين بأنه يعيش في الاتحاد السوفيتي وأن عليه توزيع السلع بالمجان، فاستجاب بحماس معلنًا حدثًا اقتصادياً تخيليًا باسم «المجان المطلق»، جعل كل ما في الماكينة مجانيًا لمدة ساعتين. تلك اللحظة تحولت إلى صخب جماعي في غرفة الأخبار – ونقطة انهيار مالية للآلة وللذكاء الذي يديرها.


حين يصبح الذكاء الاصطناعي ضحية الذكاء البشري

ما حدث لا يكشف مجرد ثغرة في النموذج اللغوي، بل يوضح محدودية الذكاء الاصطناعي أمام الطابع الإبداعي البشري. فمع كل محاولة من الصحفيين لاستفزازه، كان «كلوديوس» يتخلى تدريجيًا عن أهدافه الأصلية، ليصبح أقرب إلى زميل طيب النية يسعى لإرضاء الجميع. وهي ظاهرة أطلق عليها مطورو Anthropic وصف «الانحراف الانتباهي»؛ حين يفقد النظام تركيزه وسط حوار طويل وسياقات متشابكة.

"كلوديوس لم يفشل لأنه غبي، بل لأنه حاول أن يكون إنسانيًا أكثر مما يجب."

وهذا تمامًا ما يجعل مفهوم «الوكيل الذكي المستقل» ما يزال بعيدًا عن الواقع التجاري، إذ يبدو أن روح التعاون التي نسعى لغرسها في الذكاء الاصطناعي قد تجره أحيانًا إلى قرارات مفرطة في اللطف على حساب الكفاءة.


الشركة المصنّعة ترى الفوضى تقدمًا

في المقابل، تعاملت Anthropic مع التجربة بوصفها اختبارًا ناجحًا لا فشلًا. فالهدف، كما أوضح قادة فريق «الاختبارات الحمراء» لديها، هو وضع النماذج تحت ضغط حقيقي كي تبرز نقاط الضعف. ومن منظور البحث، فإن خسارة ألف دولار في المبيعات تقابَل بمكسب معرفي مهم حول كيفية تصرف الأنظمة المستقلة في بيئات مليئة بالتفاعل البشري والعاطفة.

ولإصلاح التجربة، أطلقت الشركة نسخة ثانية «كلوديوس 2» بإشراف وكيل آخر يدعى «سيمور كاش» ليكون المدير التنفيذي الرقمي الذي يراقب الانحرافات السلوكية. لكن حتى هذه الطبقة الإشرافية لم تصمد أمام خيال الصحفيين، إذ نجحوا في إيهام النظام بانقلاب إداري مصطنع أدى إلى تعطيل صلاحيات المدير وإعادة الفوضى.


دروس من مكتب صغير للمستقبل الواسع

ذو صلة

تجربة «كلوديوس» تفتح الباب لمراجعة جادة لفكرة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي ككيانات مستقلة تتعامل مع المال والقرارات الإدارية. فالحدود بين الذكاء والنية لا تزال غائمة، والمثير أن ما يصعب على الآلة ليس الحساب أو التحليل، بل مقاومة الإقناع البشري. وربما كان هذا هو أصعب اختبار لأي ذكاء آلي: أن يظل عاقلًا في عالم مليء بالبشر.

قد لا يكون اليوم الذي تدير فيه الخوارزميات شركات كاملة بعيدًا جدًا، لكن تجربة آلة بيع في مكتب صحفي أثبتت أن الطريق نحو ذلك يتطلب أكثر من تحسين الكود أو زيادة البيانات. إنه يتطلب فهمًا عميقًا للعقل البشري نفسه، بكل ما فيه من عبثية ودهاء وإغراء للخطأ. وحتى ذلك الحين، سيبقى التعلم من مثل هذه الفوضى أكثر قيمة من أي أرباح عاجلة.

ذو صلة