الدماغ البشري يتفوّق على الذكاء الاصطناعي في سرعة التكيّف والتعلم

3 د
العلماء في برينستون يحاولون فهم لماذا الدماغ أسرع من خوارزميات الذكاء الاصطناعي.
أظهرت الدراسة أن الدماغ يعيد استخدام شبكاته العصبية عند تعلم مهام جديدة.
تعاني أنظمة الذكاء الاصطناعي من "النسيان الكارثي" عند تدريبها على مهام جديدة.
النتائج تلهم مهندسي الذكاء الاصطناعي لبناء أنظمة تتعلم دون نسيان المهارات السابقة.
الدماغ يمثل نظامًا متكاملاً يعيد تشكيل المعرفة، مما يصعب تقليده اصطناعيًا.
في المختبرات الهادئة في برينستون، وبين شاشات تعرض أنماطًا معقدة من النشاط العصبي، حاول العلماء فهم لغز قديم يتحدى العباقرة في مجال الذكاء الاصطناعي: لماذا ما زال دماغ الإنسان أسرع وأكثر مرونة في التعلم من أي خوارزمية متطورة؟ دراسة جديدة نُشرت مؤخرًا أجابت عن جانب من هذا السؤال، فوضعت الضوء على قدرة الدماغ على إعادة استخدام معرفته بطرق لا تزال الآلات عاجزة عن محاكاتها.
الدماغ لا يبدأ من الصفر
كشفت الأبحاث التي أجراها فريق من جامعة برينستون أن الدماغ يعمل بطريقة مختلفة جذريًا عن أنظمة التعلم الآلي الشائعة. أثناء دراسة أجريت على قرود المكاك، لاحظ الباحثون أنّ الخلايا العصبية لا تنشط ضمن مسارات جديدة تمامًا عند تعلم مهمة مختلفة، بل تُعيد توظيف الشبكات السابقة نفسها. ما يشبه في جوهره فكرة "القطع التركيبية"، إذ تتعامل الدماغ مع المعرفة كوحدات صغيرة يمكن إعادة ترتيبها باستمرار.
"هذا النمط من إعادة الاستخدام العصبي هو سرّ مرونة الدماغ، فهو لا يُهدر الجهد بإعادة التعلم بل يعيد البناء على ما يعرفه بالفعل." — تيم بوشمان، عالم أعصاب في جامعة برينستون.
ذكاء اصطناعي بلا ذاكرة حقيقية
في المقابل، تواجه أنظمة الذكاء الاصطناعي مشكلة تُعرف بـ"النسيان الكارثي"، إذ تفقد النماذج المدربة قدرتها على أداء مهام سابقة بمجرد تدريبها على مهام جديدة. يحدث ذلك لأن التعلم في هذه الأنظمة يتم بشكل متتابع ومنفصل، بينما الدماغ البشري يتعلم بشكل تراكمي ومترابط، مستفيدًا من خبراته السابقة بطريقة فورية. هذا التباين يفسر لماذا يتفوّق الإنسان في التكيف الفوري مع ظروف جديدة كتغيّر السياق أو تبدّل البيئة.
قطع التفكير في القشرة الجبهية
بيّنت الدراسة أن الجزء الأكبر من هذه "البِنى العقلية القابلة لإعادة الاستخدام" يتركز في القشرة الجبهية الأمامية، المنطقة المسؤولة عن اتخاذ القرار والتخطيط وحل المشكلات. فهي بمثابة المخرج الذي يفعّل أو يعطّل العمليات المعرفية بحسب المهمة الحالية. بهذه الطريقة، يُشغّل الدماغ مجموعة معينة من اللبنات الذهنية ويُوقف أخرى، محققًا توازنًا بين التركيز والمرونة لا يزال صعب المنال في تصميم الشبكات العصبية الاصطناعية.
من المختبر إلى مستقبل الذكاء الصناعي
تبرز هذه النتائج كإلهام لمهندسي الذكاء الاصطناعي الذين يسعون إلى بناء أنظمة أكثر قدرة على التعلّم المستمر. فهم آلية الدماغ في إعادة استخدام التمثيلات العصبية قد يقود إلى تصميم نماذج تتجنب النسيان عند اكتساب مهارات جديدة. كما يمكن أن ينعكس هذا الفهم على إعادة التأهيل العصبي أو علاج الاضطرابات الإدراكية التي تصعّب على الإنسان استخدام خبراته السابقة في مواقف جديدة.
يبدو أن أسرار الذكاء الحقيقي لا تكمن فقط في قوة المعالجة أو حجم البيانات، بل في البنية القادرة على إعادة تشكيل نفسها بلا توقف. الدماغ يثبت مرة أخرى أنه ليس آلة للحساب فقط، بل منظومة تنسج الماضي بالحاضر لتصنع سلوكًا جديدًا في لحظة. وربما يكون هذا هو الحدّ الذي يفصل حتى الآن بين ذكاء بشري يتذكّر ليتطور، وذكاء اصطناعي ما زال يتعلّم لينسى.









