شركات التواصل الاجتماعي تواجه المسؤولية القانونية عن الاحتيال المالي بقوانين أوروبية جديدة
أقرّ الاتحاد الأوروبي قانونًا يلزم منصات التواصل بتعويض عمليات الاحتيال المالي.
يتوجب على منصات مثل «ميتا» و«تيك توك» تحمل التعويضات عن الإعلانات الاحتيالية.
يحمل القانون الجديد المسؤولية للبنوك والمنصات التي تتيح العروض الوهمية معًا.
يتطلب قانون التعويض من المنصات تطوير خوارزميات لمنع الإعلانات المزيفة.
تعتبر الدول الأوروبية القرار خطوة لحماية المستهلكين من الاحتيال الرقمي.
في الساعة الأولى من فجرٍ أوروبي بارد، أنهت بروكسل واحدة من أكثر جولات التفاوض سخونة بين المشرعين والشركات التقنية الكبرى. هذه المرة لم تكن المسألة تتعلق بالخصوصية أو المحتوى، بل بالمال ذاته. فقد أقرّ الاتحاد الأوروبي قانونًا جديدًا يُحمّل منصات التواصل الاجتماعي مسؤولية قانونية مباشرة عن عمليات الاحتيال المالي التي تتم عبرها، في خطوة تعيد رسم حدود المسؤولية الرقمية في القارة العجوز.
مسؤولية جديدة لشركات التواصل
القانون الجديد يضع شركات مثل «ميتا» و«تيك توك» و«إكس» أمام التزامات غير مسبوقة: عليها أن تتحمل جزءًا من التعويضات في حال تعرّض مستخدموها لعمليات احتيال مالية منشورة أو مُروَّجة على منصاتها. لم يعد بالإمكان الاكتفاء بحذف الإعلان أو حظر الحساب بعد وقوع الضرر، بل باتت هذه المنصات مطالبة بالتعويض عندما تُثبت الجهات المصرفية أنها أخطأت في الاستجابة لإشعارات الاحتيال أو لم توفر حماية كافية.
تداخل أدوار بين المصارف والتقنية
النقاش الأساسي في البرلمان الأوروبي تمحور حول سؤال بسيط: من المسؤول عندما ينهب محتال أموال المستخدمين عبر إعلان مموّل؟ البنوك التي تنفّذ المعاملات، أم المنصات التي سمحت بالعروض الوهمية؟ النتيجة كانت مزدوجة، إذ قرر الاتحاد تحميل الطرفين مسؤولية مشتركة مع تخصيص عقوبات مالية ضخمة على الشركات التي تُظهر تراخياً في المراقبة. هذه الصيغة تعكس محاولة المشرعين التوفيق بين عالمين متباينين: النظام المالي التقليدي، ومنظومات الإعلان الرقمي المتشابكة.
تداعيات على بيئة الإعلانات الرقمية
تحت مظلة قانون الخدمات الرقمية وقانون الأسواق الرقمية، يسعى الاتحاد لتضييق الخناق على نموذج الأعمال الذي يتغذى من الإعلانات المصممة بدقة لاستهداف المستخدم. الآن، ومع دخول «قانون التعويض عن الاحتيال» حيّز التنفيذ، يصبح لزاماً على المنصات تطوير خوارزميات أدقّ لكشف الحسابات المزيفة والإعلانات المريبة. هذا التوجه قد يجبرها على إعادة النظر في سرعة موافقة الإعلانات، بل وربّما تقليل اعتمادها على العائد الإعلاني كرافد رئيسي للإيرادات.
بين حماية المستخدم واستقلالية المنصات
بعض الدول الأعضاء رأت في القرار خطوة جريئة لحماية المستهلكين من الانتحال والنصب الرقمي، بينما اعتبرت شركات التقنية أن تحميلها المسؤولية «تمييز ضد الابتكار الأميركي». في المقابل، يرى محللون أن الضغط الأوروبي قد يشكل سابقة عالمية؛ فبمجرد أن يثبت القانون جدواه في تعويض الضحايا وتقليل نسب الاحتيال، ستميل دول أخرى إلى تبني نهج مشابه لحماية مواطنيها في الفضاء الرقمي المتسارع.
مستقبل العلاقة بين التقنية والقانون
أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في تعويض المتضررين، بل في إعادة تعريف مفهوم «الحدود السيبرانية». فبين الخوارزمية والمصرف، وبين الإعلان والمستخدم، تنشأ الآن طبقة ثالثة من المسؤولية القانونية قد تدفع المنصات إلى بناء أنظمة تحذير فوري تعتمد الذكاء الاصطناعي لمراقبة الأنشطة المشبوهة قبل أن تتحول إلى خسائر مالية حقيقية.
يبقى السؤال الأعمق هو ما إذا كانت هذه الإجراءات ستحد فعلاً من الابتكار والحرية الرقمية التي أسهمت في بناء اقتصاد الإنترنت الحديث، أم أنها خطوة ضرورية لتصحيح نظام فقد الاتزان. المؤكد أن «الذكاء التنظيمي» الأوروبي يضع شركات العالم أمام اختبار نضوج جديد: كيف يمكن للتقنية أن تظل مُحققة للأرباح دون أن تتحول إلى بوابةٍ للغش والاحتيال؟










