ذكاء اصطناعي

منجم الذهب الخفي: من الذي يربح المليارات “حقاً” من الذكاء الاصطناعي؟ (ليس كما تظن)

مصطفى يسري
مصطفى يسري

4 د

اقتصاد الظل: صعود شركات جديدة مثل Mercor و Handshake تحقق إيرادات بمئات الملايين من خلال توفير "بشر" لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.

قصة Mercor: كيف تحول طالب في الـ 19 من عمره إلى ملياردير بفضل صفقة توظيف 1200 مهندس لصالح Scale AI، متجاوزاً الوسطاء التقليديين.

تغير نوعية البيانات: التحول من العمالة البسيطة (تصنيف الصور) إلى توظيف نخبة الخبراء (حملة الدكتوراه، محامين، علماء) لكتابة أدلة تقييم معقدة (Rubrics).

تأثير Meta: استحواذ ميتا على حصة في Scale AI أدى لهروب المنافسين وصعود لاعبين جدد مثل Handshake التي استغلت شبكة طلاب الجامعات.

مفارقة مورافيك: الاعتماد المستمر على البشر لسد الفجوة بين قدرات الذكاء الاصطناعي الحسابية وفهمه المنطقي الواقعي، مما يجعل تجارة "البيانات البشرية" الأكثر ربحاً حالياً.

هناك مفارقة ساخرة تسيطر على وادي السيليكون حالياً. في العلن، تبشرنا شركات الذكاء الاصطناعي بقرب وصول "الذكاء الخارق" الذي سيقوم بكل شيء بدلاً من البشر، من البرمجة المعقدة إلى تشخيص الأمراض. لكن في الخفاء، تقوم هذه الشركات نفسها بحرق مليارات الدولارات لتوظيف جيوش من البشر لتعليم هذا الذكاء كيف يفعل ذلك.

نحن لا نتحدث هنا عن العمالة الرخيصة التقليدية، بل نتحدث عن اقتصاد جديد كلياً يصنع مليارديرات في سن الجامعات، ويعتمد على نخبة العقول البشرية من محامين، وأطباء، ومهندسين، فقط "لتغذية الآلة". إليك القصة الكاملة للصناعة التي تربح الذهب الحقيقي بينما الآخرون يحفرون في الصخر.



1. الملياردير الصدفة: كيف تحول مشروع جامعي إلى إمبراطورية بـ 10 مليارات؟

Feeding the machine - AI Data

السباق الحقيقي ليس على الشرائح فقط، بل على العقول البشرية التي تغذي الآلة (المصدر: The Verge)

قصة بريندان فودي (Brendan Foody) تبدو كفيلم سينمائي. بدأ الشاب شركته "Mercor" وهو في الـ 19 من عمره مع أصدقائه كمنصة توظيف تقليدية. لكن نقطة التحول جاءت بمكالمة هاتفية من شركة Scale AI (أحد عمالقة البيانات).

الطلب كان غريباً: "نحتاج 1200 مهندس برمجيات فوراً". لم يكن الهدف بناء تطبيق، بل كان الهدف جعل هؤلاء المهندسين يكتبون "حلولاً" لمسائل برمجية لتدريب النماذج الجديدة من OpenAI وغيرها.

فودي أدرك اللعبة مبكراً: الشركات الكبرى تحتاج "بيانات بشرية عالية الجودة" ونادرة. قرر العمل مباشرة مع المختبرات وتجاوز الوسطاء. النتيجة اليوم وهو في عمر الـ 22:

  • إيرادات سنوية تجاوزت 500 مليون دولار.
  • تقييم للشركة وصل إلى 10 مليار دولار.
  • أصبح هو ومؤسسوه أصغر مليارديرات عصاميين في التاريخ الحديث.

تخيل أن تكون وظيفتك هي تعليم الروبوت كيف يأخذ وظيفتك لاحقاً، وتتقاضى على ذلك مبالغ طائلة.. هذا هو باختصار نموذج عمل Mercor.


2. نهاية عصر "تحديد صور القطط".. ومجيء "الدكتوراه"

في العقد الماضي، كان تدريب الذكاء الاصطناعي يعني استئجار أشخاص بسطاء لرسم مربعات حول "إشارات المرور" أو التمييز بين "القطة والكلب". لكن النماذج الحالية (GenAI) تجاوزت هذه المرحلة بمراحل.

اليوم، شركات مثل Surge AI و Scale AI تبحث عن نوعية مختلفة تماماً من البشر. إنهم يوظفون:

  • حملة الدكتوراه في الفيزياء النووية.
  • محامين من النخبة.
  • روائيين ومؤرخين.

لماذا؟
لأن النماذج تحتاج لتعلم "الاستدلال" (Reasoning). هؤلاء الخبراء يقومون بكتابة ما يسمى "Rubrics" (أدلة تقييم) معقدة جداً. قد يستغرق الخبير 10 ساعات لكتابة دليل واحد يشرح للنموذج "كيف يفكر المحامي الناجح" أو "كيف يشخص الطبيب حالة نادرة".


3. زلزال في السوق: عندما هرب الجميع من Meta

سوق البيانات كان هادئاً حتى حدث زلزال في يونيو الماضي. شركة Meta (فيسبوك) استحوذت على حصة كبيرة في شركة Scale AI (المسيطر الأكبر سابقاً). هذا الخبر كان بمثابة قنبلة.

هل تعتقد أن OpenAI أو Google سيثقون في شراء بياناتهم من شركة تملكها منافستهم اللدودة؟ بالطبع لا. هنا حدث "هروب جماعي" للعملاء، والمستفيد كان اللاعبون الجدد مثل Handshake AI.

شركة Handshake كانت تملك شبكة ضخمة من طلاب وخريجي الجامعات الأمريكية (مثل ستانفورد وبيركلي). فجأة، تحول هؤلاء الطلاب إلى "منجم ذهب". تضاعف الطلب على الشركة 3 مرات بين ليلة وضحاها، وبدأت تحقق مئات الملايين.

AI Data Conveyor Belt

خط الإنتاج الجديد: خبراء بشريون يعملون كـ "معلمين خصوصيين" للذكاء الاصطناعي (المصدر: The Verge)

4. "مفارقة مورافيك": لماذا يحتاجوننا بشدة؟

قد تتساءل: لماذا كل هذا الإنفاق؟ هناك مبدأ علمي يفسر ذلك يسمى "مفارقة مورافيك" (Moravec’s paradox). باختصار: "ما هو صعب على البشر (مثل الحسابات المعقدة والشطرنج) سهل على الآلة، وما هو سهل جداً للبشر (مثل الفهم السياقي، والمنطق البسيط، والحرف اليدوية) صعب جداً على الآلة".

لذلك، حتى نصل للذكاء العام (AGI)، ستظل شركات التكنولوجيا بحاجة ماسة للبشر لسد هذه الفجوة. الشركات التي تبيع هذه "البيانات البشرية" تراهن على أن النماذج لن تصبح "ساحرة" فجأة، بل ستحتاج دائماً لمن يمسك بيدها ويعلمها، مجالاً تلو الآخر.


الخلاصة: تجارة "المجارف" الرابحة

ذو صلة

في حمى الذهب القديمة، لم يكن المنقبون هم الأغنى، بل من كانوا يبيعون لهم المجارف والمعاول. اليوم، شركات مثل OpenAI تحرق المليارات في "التنقيب" عن الذكاء، بينما شركات البيانات (مثل Mercor و Handshake) تبيع لهم "المجارف البشرية" وتقبض الثمن كاش وفوراً.

قد تكون هذه فقاعة، وقد ينتهي الأمر باستغناء الذكاء الاصطناعي عن معلميه البشر، لكن حتى تحين تلك اللحظة، هناك ثروات طائلة يتم جمعها في الظل.

ذو صلة