عودة انفيديا وإيه إم دي إلى الصين مع شرائح ذكاء اصطناعي أقوى وسط قيود تنظيمية أكثر صرامة

3 د
استعادت إنفيديا وAMD دخولها إلى السوق الصينية بعد انقطاع بسبب السياسات الجديدة.
فرضت السلطات الصينية قيودًا وضوابط مشددة أدت إلى تحقيقات حول "ثغرات أمنية".
الاتفاق يشمل ضرائب إضافية تصل إلى 25% على شحنات المعالجات إلى الصين.
السوق الصينية تسعى إلى تقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية بتطوير محلي.
التكنولوجيا تُظهر قدرة على تجاوز التوترات السياسية لتحقيق مصالح مشتركة.
في الأشهر الأخيرة عاد صدى الأسماء الكبرى في عالم المعالجات الرسومية الأمريكية إلى السوق الصينية، بعد فترة من الانقطاع والتوترات السياسية التي جعلت هذا السوق شبه مغلق أمامها. وبينما استعادت إنفيديا وAMD موطئ قدم لهما هناك، تغيّرت موازين اللعبة: التكنولوجيا أكثر قوة، لكن القيود الرقابية أكثر تشدداً.
عودة إنفيديا وAMD إلى الصين وسط رقابة مشددة
شهدت بداية عام 2025 مرحلة صعبة لشركات الشرائح الأمريكية، إذ كادت الصادرات إلى الصين تتوقف تماماً بفعل السياسات الجديدة. الرئيس التنفيذي لإنفيديا، جنسن هوانغ، صرّح آنذاك بأن حصة شركته في الصين أصبحت "صفر بالمئة". لكن مع مرور الأشهر، تغير المشهد عندما سمحت الإدارة الأمريكية بصفقة جديدة تقضي بتصدير المعالجات ضمن ضوابط محددة ورسوم إضافية على الشحنات.
جاء هذا التغيّر بعد اتفاق أعلن عنه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب يقضي بمنح الحكومة نسبة من إيرادات الشحنات الموجهة للسوق الصينية، وهو ما فتح الباب أمام بيع شرائح مثل Hopper H200 من إنفيديا وسلسلة Instinct MI308 من AMD. رغم الضوابط، مثّل القرار انعطافة مهمة أعادت الأمل لكلا الشركتين.
مخاوف أمنية صينية ومنافسة محلية قوية
رد فعل بكين لم يكن متحمساً بالكامل. إذ أطلقت الجهات التنظيمية تحقيقات حول احتمال وجود "ثغرات أمنية" في رقاقات إنفيديا، ودفعت بسياسات تشجع الشركات المحلية مثل هواوي وكامبريكون وبيرنتك على تطوير معالجات ذكاء اصطناعي محلية. هذا التحول أثبت أن الصين لا تكتفي باستيراد التقنية بل تعتبرها ميداناً للسيادة الرقمية.
في الوقت ذاته كانت هواوي تعرض خارطة طريق جديدة لمعالجاتها المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، ما أعاد ترتيب المنافسة داخلياً ووجه الأنظار إلى مدى اقتراب الصين – وفقاً لهوانغ نفسه – من الولايات المتحدة في قدرات الذكاء الاصطناعي، إذ وصف الفجوة بينهما بأنها "لا تتعدى النانوثواني".
صفقات ضخمة وضرائب متزايدة
العودة لم تكن مجانية بالنسبة لإنفيديا وAMD. فالموافقة الأخيرة تضمنت ضرائب تصل إلى 25% على كل شحنة من رقاقات H200، أي أعلى من النسبة السابقة البالغة 15%. ومع ذلك، بدأ التحضير لإطلاق أول دفعات من هذه المعالجات إلى الصين بحلول منتصف فبراير بنسبة تُقدر بين أربعين إلى ثمانين ألف وحدة. أما AMD فوجدت الفرصة في اتفاق محتمل مع عملاق الحوسبة الصيني "علي بابا" لتوريد نحو خمسين ألف معالج Instinct MI308.
هذا التوجه يعكس حاجة السوق الصينية الهائلة إلى قدرات حوسبة متقدمة لتدريب النماذج اللغوية والذكاء الصناعي. فحتى إن كانت هذه الرقاقات أقدم من أحدث ما توفره إنفيديا في الأسواق الأخرى، إلا أن بنيتها البرمجية وأداءها في تدريب النماذج جعلها هدفاً رئيسياً للمؤسسات الصينية.
تأثيرات جيوسياسية وتقنية متشابكة
المشهد الراهن لا يقتصر على مبيعات رقاقات حوسبة عملاقة، بل يختصر شبكة معقدة من المصالح السياسية والتقنية. السماح بالعودة إلى السوق الصينية يخفف الضغط المالي على إنفيديا وAMD، لكنه يضعهما أيضاً أمام تحديات جديدة: الحفاظ على التوافق مع القوانين الأمريكية، وبناء ثقة في سوق تدفع نحو الاعتماد على برامج ومكونات محلية.
الذكاء الاصطناعي أصبح ميدان تنافس قومي، حيث تتحول الرقائق إلى أدوات استراتيجية تشبه الطاقة أو الاتصالات. وبين رغبة الولايات المتحدة في حماية تفوقها، وطموح الصين في تحقيق استقلال تقني، تتشكل ملامح جغرافيا رقمية جديدة يتقاطع فيها الابتكار مع السياسة.
ما الذي ينتظر الساحة القادمة؟
من المتوقع أن تشهد الأشهر المقبلة سباقاً متسارعاً لتأمين سلاسل التوريد وبناء مراكز حوسبة ضخمة قادرة على استيعاب هذه الرقاقات الجديدة. أما الشركات الصينية فستواصل الاستثمار في تطوير معمارية المعالجات الخاصة بها لتقليل الاعتماد على الطرف الأمريكي. وبين عودة محدودة وتقدم محلي متسارع، يبدو أن سوق الذكاء الاصطناعي في الصين يدخل مرحلة توازن دقيقة بين الانفتاح والاحتراز.
ستبقى هذه العودة علامة على أن التكنولوجيا، مهما خضعت للسياسة، تظل تبحث عن طريقها إلى الأسواق التي تحتاجها. فالمستقبل الرقمي لا يُبنى على الحظر وحده، بل على قدرة الأطراف المختلفة على إيجاد مساحة للتعاون حتى وسط أشد لحظات التنافس.









