انطلاقة عربية واعدة للذكاء الاصطناعي يحملها لاجئان سوريان

3 د
يقدّم الشقيقان الشهابي نموذجًا عربيًا للذكاء الاصطناعي تحت اسم "ثورة".
يمثل المشروع عمقًا تقنيًا جديدًا يحترم الخصوصية ويبتعد عن سيطرة الشركات العملاقة.
يحقق نموذجه كفاءة تشغيلية محسّنة بنسبة 93%، ويعمل على استضافة مستقلة.
يدافع المشروع عن القيم الاجتماعية والعدالة الرقمية، ويدعم القضية الفلسطينية.
يمثل "ثورة" نموذجًا للتوازن بين الانفتاح التقني والسيادة الرقمية.
في زحمة الأخبار حول تقنيات الذكاء الاصطناعي القادمة من وادي السيليكون، يظهر مشروع عربي جديد بعنوان "ثورة" ليكسر الصورة النمطية عن أن الابتكار حكر على الغرب. ووراء هذا الاسم يقف شقيقان سوريان، هاني وسعيد الشهابي، جمعتهما الغربة والفضول ليقدّما أول نموذج ذكاء اصطناعي عربي الهوية، تولد فكرته من الحاجة إلى الخصوصية والصدق في عالم تغزوه الخوارزميات.
البداية من الغربة إلى التقنية
غادر الشقيقان سوريا قبل عام 2011، وحملا معهما حلمًا بالاستقرار والمعرفة. في ألمانيا تراكمت خبراتهما داخل شركات تقنية كبرى، لكن الرغبة في تقديم شيء مختلف ظلت تراودهما. أرادا تحويل المهارة إلى رسالة، فكان «ثورة» تتويجًا لمسار قررا فيه أن التقنية يمكن أن تحمل ضميرًا عربيًا وهمًّا إنسانيًا. اختارا أن يكون مشروعهما انعكاسًا لقيم تحترم المستخدم لا بياناته فقط.
نموذج مختلف في العمق والتصميم
يعتمد «ثورة» على نموذج مفتوح المصدر يُعرف باسم GLM‑4.5 Air من نوعية "خليط الخبراء"، بعدد يفوق مئة مليار معيار، لكنه لا يفعّل منها سوى ما يقارب اثني عشر مليارًا في كل تفاعل. هذه البنية تمنح أداء سريعًا واقتصاديًا في استهلاك الطاقة، مقارنة بالنماذج المعتادة مثل "شات جي بي تي" التي تُفعِّل كامل طاقتها في كل عملية معالجة. وفقًا لتقرير "تيك فور فلسطين"، سجل النموذج كفاءة تشغيلية محسّنة بنسبة 93%، وهي نسبة تعكس روح الابتكار في البرمجة والتصميم.
ذكاء يحترم الخصوصية ويساند القضايا
اختار المطوران استضافة النموذج على خوادم DigitalOcean وTogetherAI لضمان استقلاله عن الشركات العملاقة والحكومات، وهو قرار أمني قبل أن يكون تقنيًا. هذا العزل يمنح "ثورة" ميزة مهمة في الحفاظ على خصوصية المحادثات، إذ لا تُباع البيانات ولا تُحلل تجاريًا. وحتى ما يحتفظ به النظام من محتوى يكون لأغراض الصيانة والتحسين فقط، في إطار حدود صارمة للشفافية.

"أشعر أن الناس يتحدثون مع الذكاء الاصطناعي أكثر من بعضهم. وهذا أمر مُخيف إن لم يكن لتلك النماذج إطار أخلاقي"، يقول هاني الشهابي في حديثه مع موقع «إنسايد بركة».
من هذه الرؤية نشأ «ثورة» ليكون صوتًا تقنيًا يدافع عن القيم الاجتماعية والعدالة الرقمية. فإلى جانب احترام الخصوصية، يعبّر المشروع عن موقف إنساني واضح بدعمه للقضية الفلسطينية، ما يضفي عليه بعدًا أخلاقيًا نادرًا في مشهد الذكاء الاصطناعي التجاري.
التكامل مع الأدوات الحديثة دون الخضوع لها
رغم استقلاليته في الفلسفة والتصميم، يتكامل «ثورة» بسلاسة مع بيئات التطوير المعروفة بفضل اعتماده على حزمة أدوات OpenAI البرمجية. هذا الانفتاح البرمجي يجعله قادرًا على الاندماج مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي النصيّ، وتطبيقات الترميز الذكي، دون المساس بمبادئ الأمان والخصوصية التي بُني عليها. يقدّم المشروع بذلك نموذجًا عمليًا لما يمكن أن يكون عليه التعاون بين الانفتاح التقني والسيادة الرقمية.
رؤية أوسع للمستقبل العربي في الذكاء الاصطناعي
ما يقدمه "ثورة" يتجاوز الجانب التقني إلى سؤال الهوية والموقع. فظهور نموذج عربي بهذه المواصفات مؤشر على اتساع مساحة الإبداع في المنطقة، حيث لم يعد الحديث عن التكنولوجيا مجرد استهلاك أو ترجمة، بل صناعة واعية بمعاييرها وقيمها. المشروع يفتح الباب لتجارب مشابهة تعيد تعريف العلاقة بين التقنية والمجتمع، بين الذكاء الاصطناعي والضمير الإنساني.
في النهاية، يحمل اسم «ثورة» أكثر من معنى. إنه ليس مجرد نظام حواري متطور، بل إعلان هادئ عن قدرة العقول العربية على صياغة مستقبل رقمي خاص بها، حيث تُخدم التكنولوجيا الإنسان لا العكس. ربما يكون هذا النموذج البداية التي تُعيد تعريف الذكاء الاصطناعي العربي على خرائط العالم.









