ذكاء اصطناعي

أقراص تطير بقوة الشمس: ابتكار جديد يستكشف حدود الغلاف الجوي

محمد كمال
محمد كمال

4 د

ابتكار أجهزة طائرة تعتمد على أشعة الشمس بدون محرك أو وقود.

الأقراص المصنوعة بتقنيات النانو ترتفع اعتمادًا على مبدأ الراديومتر.

تصميم يعتمد على طبقات رقيقة من أكسيد الألمنيوم والكروميوم.

يمثل هذا الابتكار خطوة لاستكشاف الأجواء العليا مثل الميزوسفير.

هذه الأجهزة تقدم مستقبلًا جديدًا للاستشعار البيئي والجوي.

بينما كنا نربط الطيران بالمحركات والبطاريات والرياح، يأتي اليوم علماء من جامعة هارفرد ليكشفوا لنا النقاب عن ابتكار أشبه بالخيال العلمي: أجهزة صغيرة الحجم تطير وتحلق في السماء مستعينةً بأشعة الشمس فقط، بلا محرك أو وقود أو حتى أجزاء متحركة. فما السر وراء هذا الإنجاز؟ وكيف يمكن أن يغيّر من قدرتنا على استكشاف أعالي الغلاف الجوي المجهولة؟


في قلب التجربة: أقراص أخف من الهواء تحلق بضوء الشمس

البداية كانت حين أجرى بن شيفر وفريقه تجربة عملية بسيطة انطلقت من معادلات الفيزياء: قرص صغير – لا يتجاوز سنتيمتراً مربعاً – صُنع بتقنيات النانو، عُلّق في هواء مخفّض الضغط تحت مصدر ضوء. لم يصدق الفريق عيونهم حين رأوا الجهاز يرتفع للحظات، دليلاً حياً على أن الأفكار القديمة يمكن أن تبعث من جديد بهيئة حديثة. وهذا الإنجاز الجديد نُشر مؤخراً في مجلة "نيتشر"، ليفتح جذوة النقاش حول مستقبليات استكشاف الغلاف الجوي.

ولعل ما يجعل الابتكار فريداً هو اعتماده الكامل على قوانين طبيعية اكتُشِفت أصلاً في القرن التاسع عشر، إذ استلهم العلماء مبدأ مفعول الراديومتر – ذلك الجهاز التعليمي الشهير الذي يدور تحت الضوء في وعاء مفرغ. ولكن بدلاً من الدوران، استغل الباحثون الفرق الحراري بين وجهين من طبقة رقيقة لرفع القرص نفسه في الهواء.

ويتضح من هذا الترابط أن الجمع بين التراث العلمي وأحدث تقنيات المواد يصنع معجزات جديدة في مجال الطيران والعلوم الجوية.


التصميم: طبقتان رقيقتان تعملان بتناغم غير مسبوق

أما عن تركيب هذا "القرص الطائر" فيعتمد على طبقتين بالغتي الرقة من أكسيد الألمنيوم – أنحف من شعرة الإنسان بألف مرة – تتصلان بخيوط دقيقة وتشكلان ما يشبه الساندويتش. الطبقة العليا شفافة تسمح بمرور ضوء الشمس، بينما السفلى مُغطاة بالكروميوم تمتص الطاقة الشمسية وتتحول إلى دفء.

تكمن روعة التصميم في وجود ثقوب دقيقة تسمح للجزيئات الغازية بالتحرك من الجانب الأبرد والأعلى إلى الجانب الأسخن في الأسفل، فتكتسب مزيداً من الطاقة وتدفع الجهاز للأعلى. هذه العملية تشبه إلى حد ما "الدفع" الذي يولده دوار المروحية، ولكن هنا القوة ناتجة فقط عن انتقال الحرارة وحركة الجزيئات، دون أي قطعٍ متحركة.

وهذا يربط مباشرةً بين اهتمامات العلماء بإيجاد حلول منخفضة الاستهلاك للطاقة وبين ضرورة استكشاف مناطق الغلاف الجوي العالية والتي لم تصلها الأجهزة التقليدية.


فتح آفاق جديدة: استكشاف الميزوسفير بلا بطاريات أو بالونات

الغلاف الجوي للأرض مكون من عدة طبقات، وأشهرها الميزوسفير، وهي المنطقة التي تمتد ما بين 50 إلى 100 كيلومتر فوق سطح الأرض. قليلٌ ما نعرفه عن هذه الطبقة لأنها أقل كثافة من أن تحمل بالونات، وأكثر كثافة من أن تبقى فيها الأقمار الصناعية. وهنا تظهر أهمية الأقراص الطائرة الجديدة التي يمكنها الطفو والبقاء معلقة هناك، مستفيدة من أشعة شمس مستمرة وكثافة هواء مثالية لهذا النوع من الحركة.

إذا كنا نسعى حقًا لفهم المناخ، أو اكتشاف ديناميكيات طبقات الأوزون، أو حتى مراقبة غبار النيازك، فهذه الأجهزة الصغيرة، الخفيفة، والطائرة بذاتها، ستكون وسيلتنا لدخول "الإغنوروسفير" – تلك المنطقة المجهولة التي استعصت حتى اليوم على العلماء بسبب تحديات تقنيات الاستكشاف.

وهنا يتضح أن هذا الإنجاز يتقاطع مع الجهود العالمية لابتكار أدوات استشعار ومراقبة مبتكرة ولتوسيع المعرفة البشرية حول ما يدور في أعالي الغلاف الجوي.


ابتكار قد يغيّر مستقبل الاستشعار البيئي والجوي

ما يدهش في هذا التصميم هو بساطته وقلة مكوناته: لا حاجة لمحركات، ولا لبطاريات ضخمة، ولا حتى لرادارات معقدة. كذلك فإن التصنيع بالنانو يتيح إنتاج كميات كبيرة بأوزان شبه معدومة، وكل ما تحتاجه تلك الأجهزة هو مصدر ضوء – أي النهار الطبيعي.

يتوقع العلماء أنه مع تطوير أجيال أكثر تطوراً من هذه "الأقراص الشمسية"، سيكون من الممكن إطلاق أسراب (سوارمات) ضخمة من هذه المجسات في الفضاء الجوي، لجمع البيانات حول درجات الحرارة، الضغوط الجوية، تلوث الجو، وحتى مراقبة موجات الكوكب المغناطيسية. تخيّل أن شبكة ذكية بأكملها معلقة في أعلى طبقات الأرض، ترسل لنا نبضات مستمرة عن حالة الكوكب دون حاجة لإمدادات طاقة متجددة أو صيانة معقّدة.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية ما تم التوصل إليه ليس فقط في مجال علوم الفضاء والمناخ، بل أيضاً في التقنيات الحديثة لتطوير المواد النانوية والهندسة التطبيقية للطيران.


تلخيص الفكرة: خطوة جريئة نحو استكشاف اللامرئي

ذو صلة

في الختام، يمكننا القول إن الأجهزة الطائرة الجديدة التي تعتمد على حرارة الشمس فقط ليست مجرد تجربة علمية، بل هي بداية لعصر جديد في فهمنا للأرض وأجوائها. هي ليست بديلاً للأقمار الصناعية، ولا للبوالين التقليدية، لكنها تُكمل الصورة وتسد ثغرة ظلّت مفتوحة لعقود في أبحاث الميزوسفير و"الإغنوروسفير". إن الجمع بين تقنيات النانو والفيزياء الكلاسيكية وفّر لنا وسيلة تحليق مبتكرة تلهم الخيال – وتكشف لنا تدريجياً أسرار الجزء الأقل استكشافاً من سمائنا.

وبذلك، تقف البشرية على أعتاب ثورة جديدة في استكشاف طبقات الغلاف الجوي العليا، حيث تلتقي البساطة بالإبداع وتتحرر الحدود التقليدية للطيران العلمي.

ذو صلة