أول ترياق فعال يطهر الدم من التسمم بأول أكسيد الكربون في دقائق

3 د
أعلن باحثو جامعة ماريلاند عن بروتين جديد يمتص أول أكسيد الكربون في دقائق.
البروتين RcoM يستهدف حصريًا أول أكسيد الكربون ويساهم في حفظ الأعضاء الحيوية.
التجارب أظهرت نجاحًا في تطهير الدم من الغاز على الفئران خلال دقيقتين.
يتهدف العلماء قريباً إجراء تجارب سريرية للتأكد من فعالية العلاج على البشر.
تخيل لو أصيب أحدهم بتسمم أول أكسيد الكربون – ذلك الغاز الشفاف الذي لا لون له ولا رائحة، والذي يُعرف بالقاتل الصامت – فماذا ستكون فرص نجاته؟ حتى اليوم، كان العلاج الوحيد هو تزويد المصاب بجرعات مكثفة من الأكسجين لفترة طويلة. لكن باحثين من كلية الطب بجامعة ماريلاند أعلنوا أخيراً عن ابتكار بروتين معدل جينياً يمكنه التخلص من الغاز السام في الدم خلال دقائق قليلة فقط.
القفزة العلمية هنا تمثلت في استخدام العلماء لبروتين طبيعي يدعى RcoM عُرف عنه في البكتيريا قدرته على التقاط آثار أول أكسيد الكربون بالبيئة. هندسة هذا البروتين لاستهداف جزيئات الغاز العالقة بكرات الدم الحمراء جعلته بمثابة إسفنجة حيوية تلتقط المادة السامة وتخرجها من الجسم بأمان وفي وقت قياسي.
كيف يعمل الابتكار الجديد؟
لفهم طبيعة هذا العلاج، يجب أن نتذكر كيف يعمل أول أكسيد الكربون داخل الجسم. عند استنشاقه، يرتبط هذا الغاز بخلايا الدم الحمراء بقوة تفوق الأكسجين الطبيعي بمئات المرات، الأمر الذي يمنع وصول الأكسجين للأعضاء الحيوية مثل الدماغ والقلب، ما يؤدي سريعاً لفقدان الوعي أو حتى الموت. كان الأطباء يعتمدون على علاج الأكسجين النقي فقط، والذي رغم فعاليته النسبية إلا أنه يحتاج لساعة أو أكثر حتى يُخرج الغاز من الدم، وغالباً ما يترك المصاب بمضاعفات طويلة المدى.
انطلاقاً من ذلك، جاء البروتين RcoM-HBD-CCC ليحل هذه المعضلة الطبية. فالبروتين المعدل يستهدف حصرياً أول أكسيد الكربون داخل الدم، ويمسك به بقوة مذهلة، متجاهلاً الأكسجين أو المواد الكيميائية الحيوية الأخرى مثل أكسيد النيتريك المسؤول عن تنظيم ضغط الدم. هذا التخصص الدقيق وحده يعد طفرة في عالم علاجات التسمم، ويقلل خطر الآثار الجانبية التي شوهدت مع أي محاولات سابقة لحلول بروتينية مماثلة.
وهذا الربط التقني المبتكر يمهد السبيل أمام تدخل طبي عاجل وسريع في حالات تسمم أول أكسيد الكربون، حيث يمكن للمسعفين أو الأطباء إعطاء العلاج فوراً حتى قبل الوصول للمشفى.
سرعة وكفاءة في القضاء على الخطر
أوضحت التجارب التي أُجريت على فئران المختبر أن علاج RcoM-HBD-CCC نجح في تنظيف الدم من نصف كمية الغاز السام في أقل من دقيقة واحدة فقط، لتخرج لاحقاً الفضلات مع البول بصورة آمنة. بهذا الشكل، تعود قدرة الخلايا الدموية على حمل الأكسجين بسرعة، ويقل خطر تلف الدماغ والقلب بشكل كبير. اللافت أيضاً أن البروتين لم يؤثر على ضغط الدم أو يسبب ضرراً للمركبات الكيميائية المهمة للجسم.
ويتضح من ذلك أن البروتين الجديد يتفوق على أي سابق له بقدرته الانتقائية الفريدة، فيستهدف أول أكسيد الكربون دون المساس ببقية المنظومة الحيوية، عكس العلاجات الأخرى التي كانت قد تتسبب بمشاكل في ضغط الدم نتيجة تداخلها مع مركبات مثل أكسيد النيتريك.
هل سنرى العلاج في المشافي قريباً؟
رغم أن هذه النتائج ما تزال في الإطار البحثي المخبري، إلا أن المؤشرات واعدة للغاية. الباحثون يخططون لاختبارات أوسع للتأكد من الأمان والجرعات، تحضيراً للانتقال مستقبلاً نحو التجارب السريرية على البشر. والأمل كبير في أن يصبح هذا العلاج أول مضاد سريع وقليل المخاطر يمكن استخدامه مباشرة لعلاج التسمم بأول أكسيد الكربون في غرف الطوارئ أو حتى بيد المسعفين في موقع الحادث.
تواصل فرق البحث استكشاف احتمالات أخرى لاستخدام هذا البروتين الفريد، فربما نجده في المستقبل علاجاً مساعداً في حالات الأنيميا الشديدة أو عند فقدان الدم الحاد، مستفيداً من قدرته على نقل وحمل الغازات الحيوية في الجسم بأمان.
وهكذا نرى كيف يمكن لمثل هذا الابتكار العلمي أن يشكل ثورة في مواجهة أخطر حالات التسمم الشائعة، التي تصيب عشرات الآلاف وتجعل الأطباء في سباق مع الزمن لإنقاذ حياة المصابين. إذا سارت التجارب التالية كما هو متوقع، فقد نكون على موعد مع إنقاذ آلاف الأرواح سنوياً، فقط من خلال حقنة بروتين صغير، لكنه يغير قواعد اللعبة بالكامل.