اكتشاف مذهل للمركبة برسيفيرنس: جسم غامض يشبه الخوذة على سطح المريخ

3 د
رصدت مركبة "برسيفيرنس" صخرة تشبه خوذة قديمة على سطح المريخ.
الصخرة أطلق عليها العلماء اسم "هورنفيلا" وتتكون من كريات معدنية.
يعتقد العلماء أن التكوين يرجع لعوامل تجوية كيميائية أو بركانية.
تشكل هذه الصور أرشيفًا لفهم البيئات القديمة للمريخ عبر ملايين السنين.
تواصل مركبة برسيفيرنس جمع الأدلة لفهم التاريخ الجيولوجي والمناخي للمريخ.
في واقعة جديدة تضاف إلى سلسلة الأشكال الغريبة التي ترصدها المركبة "برسيفيرنس" التابعة لوكالة ناسا على الكوكب الأحمر، التقطت العدسات صورة لصخرة تبدو وكأنها خوذة تعود إلى زمن الفرسان والمعارك التاريخية. هذه القطعة الصخرية المميزة، ظهرت للعيان بوضوح على سطح المريخ، لتثير فضول العلماء والجمهور على حد سواء، وتفتح مجددًا النقاش حول التنوع الجيولوجي في هذا العالم البعيد.
من المريخ ... إلى حكاية الخوذة المدهشة
في الخامس من أغسطس 2025، وخلال مهمة روتينية في منطقة فوهة جيزيرو، رصدت الكاميرا المتطورة "ماستكام- Z" المثبتة على عنق روبوت برسيفيرنس صخرة ذات قمة حادة وسط نسيج وعُقد سطحية غير مألوفة. للوهلة الأولى، بدت الصخرة وكأنها خوذة معدنية صدئة تُشبه تلك التي كان يرتديها المحاربون في العصور الوسطى الأوروبية. وعلى الرغم من أن الأمر قد يبدو مجرد تشابه بصري، أثبتت التجربة أن سطح المريخ مليء بما يفاجئ الحواس ويخدع المخيلة. وهذا ليس أول جسم غريب تصادفه مركبة برسيفيرنس؛ إذ سبق وأن صادفت حجارة تُشبه حبات الأفوكادو ودونات ضخمة، ليبقى السؤال قائمًا: ما سر هذه التشكلات الفريدة؟
تركيب الصخور ... بين علم الجيولوجيا وخيال الإنسان
يعود السبب وراء هذا التشكل الغامض، بحسب العلماء، إلى انتشار تكوّن "الكُرَيَات" – وهي تجمعات معدنية صغيرة تظهر على سطح الصخور. المتحدث باسم فريق برسيفيرنس في مختبر الدفع النفاث التابع لناسا يؤكد أن "الصخرة – التي أطلق عليها العلماء اسم هورنفيلا – لفتت الاهتمام ليس فقط لشكلها الغريب، بل أيضاً لأنها مكونة بالكامل تقريباً من كريات معدنية". وعلى الأرض، تتشكل مثل هذه النتوءات إما بسبب التجوية الكيميائية، أي تأثر الصخور بعوامل خارجية على مدار السنين، أو كنتيجة لعمليات بركانية أو لترسّب المعادن من المياه الجوفية في تجاويف الصخور. من المثير أن فريق ناسا نفسه مازال في طور التحقيق لمعرفة إذا كان تشكيل الكريات على المريخ يتبع نفس الأسس الموجودة على كوكبنا، أم أن هناك عوامل مريخية فريدة تؤدي لهذا التنوع.
هذا التشابك بين الواقع العلمي ورغبة العين البشرية في إيجاد معانٍ مألوفة فيما تراه يفتح الباب للحديث عن ظاهرة نفسية تعرف باسم "الباريدوليا". فكم من مرة رأيت وجهاً بين السحب، أو شكلاً غريباً محفوراً في الصخور؟ على سطح المريخ، يبدو أن الأدمغة تبحث تلقائياً عن أمر مألوف وسط الغرابة.
كيف تساعد هذه الموجودات في فهم تاريخ المريخ؟
كل صورة تلتقطها كاميرات برسيفيرنس ليست مجرد لحظة عابرة، بل حجر أساس لفهم البيئة المريخية القديمة. هذه التشكلات الصخرية، سواء كانت مصقولة بالرياح أو متآكلة بفعل المياه الجوفية، تعمل كأرشيف طبيعي يرجع إلى ملايين بل مليارات السنين، إذ تُتيح للعلماء جمع أدلة حول تاريخ الكوكب الأحمر: كيف تشكلت تربته؟ ما هو دور المياه والرياح والبراكين؟ وهل امتلك في زمن ما الظروف المناسبة لظهور الحياة؟
استكشاف جيولوجي لا يتوقف
وجود هذا النوع من الصخور الغريبة يكشف أهمية المنطقة التي تتحرى فيها برسيفيرنس. فقد نجحت المركبة مؤخرًا في تخطي واحدة من أكبر المرتفعات في حافة فوهة جيزيرو، لتصل إلى منطقة تعرف باسم "تلة لوكاوت"، حيث تشير التقديرات إلى وجود طبقات رسوبية وشواهد جيولوجية قد تحمل مفاتيح الإجابة عن أكثر أسئلة العلماء حيرة حول الماضي المناخي والجيولوجي للمريخ. وبالربط بين هذه المشاهدات المتنوعة، يتضح هدف مركبة برسيفيرنس الأكبر: بناء صورة دقيقة لكيفية تشكل سطح المريخ والعوامل الطبيعية التي مرّ بها عبر الزمن.
ختامًا، ليس أمام علماء ناسا، ومعجبي استكشاف الفضاء، سوى الانتظار لفك أسرار المريخ التي تزداد كلما اكتشف روبوت صغير شكلاً جديدًا بين رمال الكوكب الأحمر. وبينما تعمل عدسات برسيفيرنس الذكية بلا كلل، يستمر التشويق العلمي وتقاطع الخيال مع الواقع، في رسم ملامح كوكب ما زالت أسراره في طور الاكتشاف.