ذكاء اصطناعي

اكتشاف مذهل يكشف أسرار بحر الميت ويعيد كتابة تاريخ الجيولوجيا

محمد كمال
محمد كمال

3 د

يخفي بحر الميت في أعماقه "العمالقة الملحية" الهائلة التي تغير الجيولوجيا.

تمتد تراكمات الملح أفقياً وعمودياً بشكل ضخم، بفعل الملايين من السنين من التبخر.

تشير الدراسات إلى أن ترسيب الملح يحدث على مدار السنة بفعل حرارة الصيف.

انحسار بحر الميت يهدد بيئته بسبب الاستغلال الزراعي وتغير المناخ.

يكشف البحث عن أهمية ماضي الأرض الجيولوجي ومستقبل السواحل أمام التغيرات المناخية.

هل كنت تتخيل أن بحر الميت، ذلك البحر العجيب ذو الملوحة العالية، يخفي في أعماقه سرًا سيُغيّر فهم العلم لتاريخ الأرض وجيولوجيتها المستقبلية؟ ففي الوقت الذي كان فيه هذا البحر البلوري يثير اهتمام الزوار برائحته النفاذة ومستوى الماء المنخفض، كان العلماء يعملون وراء الكواليس لاكتشاف قصة لم تُروَ من قبل عن "العمالقة الملحية" الراقدة في قعره.

عند الحديث عن بحر الميت، يبرز فورًا موقعه الجغرافي الغريب؛ فهو أدنى نقطة على سطح اليابسة وأحد أكثر المسطحات المائية ملوحة على الكوكب. هذه الخصائص حولته إلى مختبر طبيعي فريد لدراسة ظاهرة تُدعى "العمالقة الملحية" أو التراكمات الضخمة للأملاح. ووفق دراسة حديثة نُشرت في مجلة سنوية عالمية مرموقة، تمكن الباحثون إيكرارت ميبورغ وناداف لينسكي من تحليل هذه التشكيلات العملاقة باستخدام الملاحظة الحقلية والتجارب المخبرية ونماذج الحوسبة الدقيقة. وهنا برزت المفاجأة: بحر الميت يُقدّم فرصة نادرة لمراقبة تشكّل الأملاح العملاقة في الزمن الحاضر، بينما لم يعد ذلك ممكنًا في مواقع أخرى كان البحر الأبيض المتوسط من بينها.

هذا الربط بين الموقع الجغرافي الفريد وطبيعة الظواهر الملحية يقودنا مباشرة إلى تفاصيل العمالقة الملحية أنفسهم! فالظاهر أن قاع بحر الميت يحتوي على تراكمات ملح ضخمة أفقياً تمتد لعشرات الكيلومترات، وعموديًا قد تصل سماكتها لأكثر من كيلومتر! عملاق جيولوجي بهذا الحجم ليس مجرد ظاهرة عابرة؛ بل هو نتاج ملايين السنين من التبخر التدريجي لمياه شديدة الملوحة، فتتساقط البلورات الملحية نحو القاع لتشكل طبقات متداخلة من الهاليت. ويسلط الباحثان الضوء على أن شدة هذه العمليات واختلافها من موسم لآخر يبقيان بحر الميت في حالة تفاعل جيولوجي مستمر، على عكس أغلب بحار العالم التي استقرت فيها التكوينات الملحية منذ أزمنة بعيدة.

وإذ نقترب أكثر من قلب الموضوع، تظهر نقطة علمية جوهرية غيّرت مفاهيم الباحثين: فقد كان الاعتقاد السائد أن تشكّل الملح يحدث بشكل رئيسي في فصل الشتاء حيث تبرد المياه وتبدو الظروف ملائمة لتبلور الأملاح. غير أن نتائج الدراسة الأخيرة أظهرت أن ترسيب الملح في بحر الميت يجري على مدار السنة، حيث تُسهم حرارة الصيف في تبخير الماء وسقوط الملح بشكل يشبه تساقط الثلج! هذه الدورة المستمرة بين التبخر والتبلور والانسياب نحو الأعماق تفسّر الشكل الفريد لتراكم الهاليت وكثافته وتغيراته الموسمية، وهو ما يمنحنا لمحة عن ديناميات فريدة تحدث فقط هنا دون سواه.

ومن التبخر والترسيب، ننتقل إلى المشهد الأوسع والأكثر إثارة للقلق، ألا وهو انحسار بحر الميت السريع! بفقدان البحر لنحو متر من مستواه سنويًا لأسباب تتعلق بالاستغلال الزراعي لمياه نهر الأردن وتغير المناخ العالمي، تتغيّر معالم المنطقة بسرعة غير مسبوقة. ارتفاع درجة الملوحة وتقلّص المسطحات المائية يؤديان إلى تغييرات بيئية وانهيارات أرضية ويهددان بيئة البحر واستقراره بشكل مباشر. ورغم أن هذه المشكلات تبدو محلية، إلا أنها تعكس مشهدًا مماثلًا يشهده كثير من البحار والبحيرات حول العالم، ما يمنح دراسة بحر الميت طابعًا عالميًا وتحذيرًا مبكرًا لمصائر بيئاتنا الساحلية.

ذو صلة

وانطلاقًا من كل ما سبق، يتضح لنا أن فهم آلية تشكّل العمالقة الملحية لا يمنحنا نافذة على ماضي الأرض الجيولوجي فحسب، بل يوفر أيضًا مؤشرات مهمة لمستقبل السواحل والبيئات المائية في مواجهة التغيرات المناخية ونشاطات البشر. فما يحدث اليوم في بحر الميت قد يكون حجر الأساس في استراتيجيات الحفاظ على الشواطئ ومواجهة التآكل الساحلي وضبط التوازن البيئي في وجه تسارع التبخر وارتفاع مستويات الملوحة.

وخلاصة القول، يكشف هذا البحث الرصين عن أسرار طالما اختبأت في أعماق بحر الميت، مُلقيًا الضوء على قوى الطبيعة الجبّارة وأثر الإنسان الدائم. وبينما تواصل عمالقة الملح رسم طبقاتها في صمت، يُذكرنا البحر بأن كل نقطة ماء وبلورة ملح، تروي في طياتها فصولاً من تاريخ الأرض ومن مستقبلها المنتظر.

ذو صلة