اكتشاف نظام حراري مائي ضخم وغني بالهيدروجين تحت قاع المحيط الهادئ

4 د
اكتشف العلماء نظامًا حراريًا مائيًا ضخمًا تحت المحيط الهادئ الغربي.
يضخ هذا النظام كميات كبيرة من الهيدروجين في بيئة غامضة.
النظام يحتوي على أكثر من 20 فوهة بحرية تفرز الهيدروجين.
الهيدروجين في هذه الأعماق يفتح الآفاق لاكتشافات علمية جديدة.
يعتبر كونلون موطنًا للكائنات التي تعتمد على الهيدروجين كمصدر للطاقة.
وسط أعماق المحيط الهادئ الغربية، فاجأ العلماء العالم بإعلانهم عن اكتشاف نظام حراري مائي هائل يضخ كميات استثنائية من الهيدروجين في وسط مظلم وغني بالأسرار. وجاءت تفاصيل هذا الكشف في دراسة رائدة أجراها معهد علوم المحيطات التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، ونشرت يوم 8 أغسطس 2025 في مجلة "ساينس أدفانسيز". نتائج البحث قلبت النظريات القديمة حول نشأة غاز الهيدروجين في الأعماق البحرية، وفتحت آفاقًا واسعة لفهم المزيد من أسرار كوكبنا وطبيعة الحياة في البيئات القصوى.
عند الغوص أكثر في تفاصيل الأمر، نجد أن هذا النظام يُعرف بميدان "كونلون الحراري المائي"، ويقع على صفيحة كارولين التكتونية تحديدًا على بعد 80 كيلومترًا غرب خندق موساو. المثير أن هذا الموقع الجيولوجي يضم أكثر من 20 فوهة بحرية كبيرة، تتجاوز بعض قطرها كيلومترًا واحدًا، وتتشابك معًا في شكل كأنابيب عمودية حاملة للغازات والسوائل من باطن الأرض إلى القاع البحري. ربما تتساءل: ما الذي يجعل هذا الاكتشاف مميزًا؟ في الحقيقة، السر يكمن في قوة التدفق الهائلة للهيدروجين في هذا النظام، إذ يمثل إنتاجه نسبة ضخمة قد تصل إلى 5% من الهيدروجين الصادر عن أعماق البحار حول العالم بأسره. البروفيسور سون ويدونغ، المشرف على الدراسة، لخص أهمية النظام بقوله: "يتميز نظام كونلون بتدفق هيدروجين استثنائي، وحجم هائل، وبيئة جيولوجية لا مثيل لها".
المحتوى الغني للهيدروجين في هذه الأعماق يطرح آثارًا علمية هائلة على فهمنا للنظم البيئية البحرية، خاصة تلك التي تعتمد على التخليق الكيميائي بدلاً من الطاقة الشمسية. فقد رصد الباحثون في كونلون تدفقًا سنويًا ربما يصل إلى 480 مليار مول من الهيدروجين تتسرب من الفوهات، ما يشكل بيئة حياة نادرة للكائنات البحرية القادرة على استغلال هذا العنصر كمصدر للطاقة. فعلى الرغم من أن حرارة السوائل الخارجة معتدلة نسبيًا (أقل من 40 درجة مئوية)، إلا أن علامات جيوكيميائية تشير إلى حرارة أعظم في الأعماق تحت القاع، بل وتؤدي لتكوين معادن نادرة مثل الدولوميت نتيجة التفاعل المكثف بين الماء والصخور في بيئة شديدة الاختلاف عما عهد الباحثون.
بالانتقال من الجوانب الكيميائية إلى المشاهد الحية، نجد أن النظام الحراري المائي هذا ليس مجرد معمل طبيعي للغازات والمعادن بل موطنًا لوفرة من الكائنات العجيبة. خلال حملتهم الاستكشافية باستخدام الغواصة المتطورة "فندوزه"، اكتشف العلماء مجتمعًا غنيًا يضم الروبيان وسراطين الأعماق والأشواك البحرية والدودات الأنبوبية. كل هذه المخلوقات يبدو أنها تعتمد بشكل كبير على الهيدروجين المتوفر وأيضًا على العمليات الحيوية التي تولِّد الطاقة من مزيج المعادن والغازات، بطريقة تشبه كثيرًا كيف بدأت الحياة الأولى على الأرض قبل بلايين السنين. هذا الربط بين الظروف القاسية في كونلون وفجر الحياة على الكوكب يدفع العلماء لإعادة فحص نظريات نشأة الحياة الأولى، بل ويحفزهم للبحث عن أماكن مشابهة في أجرام سماوية أخرى مثل قمر أوروبا حول كوكب المشتري.
وبالحديث عن العمليات الكيميائية، نجد أن مصطلح "السربنتنة" أو "السرپنتينيزة" هنا حجر الزاوية. فهذه العملية، التي تحدث عندما تتفاعل معادن غنية بالحديد والمغنيسيوم مع المياه البحرية العميقة، تُطلق الهيدروجين بكميات كبيرة وتخلق بيئة قلوية غنية. ولأول مرة، يثبت فريق البحث أن هذا النشاط لا يقتصر فقط على حدود الأودية الوسطى للمحيطات كما اُعتُقد سابقاً، بل يمكن أن يحدث في مناطق بعيدة ونشطة تكتونيًا مثل كونلون. هذه النتائج توسع أفق العلم بشأن الأماكن التي يُحتمل أن تحتوي على موارد هيدروجين طبيعية، ما يمهد الطريق للتفكير في استغلالها كمصدر مستدام للطاقة النظيفة في المستقبل.
وهذا يقودنا إلى دلالة اقتصادية وبيئية مهمّة. فبينما يرتفع الطلب العالمي على مصادر الهيدروجين الأخضر كحلول للطاقة النظيفة، أصبحت البيئات الغنية بالهيدروجين تحت البحار من أهم الأماكن المثيرة للاهتمام. يُشير العلماء إلى أن دراسة مثل هذه النظم البيئية العميقة قد تفتح الباب أمام تطوير تكنولوجيا استخراج الهيدروجين من أعماق المحيط في يوم من الأيام. كما أن فهم الديناميكيات المعقدة بين التفاعلات الجيولوجية والكيميائية في كونلون يمنحنا مفاتيح لاستدامة الموارد الطبيعية، بل وربما لإعادة التفكير بأنواع الاستكشافات العلمية المستقبلية على الأرض وفي الفضاء.
في نهاية المطاف، يجمع اكتشاف ميدان كونلون الحراري المائي بين عوالم الجيولوجيا، والكيمياء، والتطور البيولوجي، والطموحات التكنولوجية، في لوحة علمية واحدة مذهلة. إنه يثبت أن أعماق محيطاتنا تحمل أسرارًا لم تكتشف بعد، وأن التفاعل المستمر بين الصخور والمياه في جوانب بعيدة من كوكبنا لا يزال يولّد إمكانات كبرى لحياتنا ومستقبل طاقتنا وتاريخ نشأة الحياة نفسها.