ذكاء اصطناعي

حين يموت الحوت… تبدأ الحياة من جديد في قاع البحر

محمد كمال
محمد كمال

3 د

يكتشف العلماء نظامًا بيئيًا متكاملاً حول "سقوط الحوت" في أعماق المحيطات.

تتحول بقايا الحيتان إلى "واحة" تغذي الكائنات القاعية لسنوات.

يستفيد المفترسون والبكتيريا والديدان العظمية من بقايا الحيتان لتحليلها واستغلالها.

تعتمد بعض الأنواع النادرة على سقوط الحيتان للبقاء والتغذية.

تعتبر هذه الظاهرة فرصة لدراسة توازن النظم البيئية في قاع البحر.

في أعماق المحيط المظلمة، تكشف الاكتشافات العلمية يوماً بعد يوم عن مفاجآت مذهلة تدفع حدود خيالنا. آخر تلك الاكتشافات المثيرة جاء عندما رصد فريق من علماء الأحياء البحرية نظاماً بيئياً متكاملاً يزدهر حول بقايا مخلوق عملاق غارق في قاع البحر، في ظاهرة تُعرف باسم "سقوط الحوت".

في كل مرة يفارق فيها مخلوق ضخم — كالحوت — الحياة ويغوص بجسده إلى قاع المحيط، يظن البعض أن نهايته قد جاءت. لكنه في الواقع يفتتح سلسلة من التفاعلات البيئية وتحول ذلك الجسد الضخم إلى "واحة" مؤقتة تزخر بالكائنات الدقيقة والكبيرة. وقد وثق فريق معهد شميت للمحيطات مؤخراً أحد هذه المشاهد المذهلة بالفيديو، حيث بدا قاع البحر أشبه بمنطقة احتفال تعج بحيوية الكائنات البحرية من أسماك وأحياء دقيقة تعكف على الاستفادة من كل جزء من البقايا.

تتحول بقايا المخلوقات البحرية العملاقة، والتي قد يصل وزنها أحياناً لعشرات الأطنان، إلى مصدر غذاء مركز ونادر للكائنات القاعية في بيئة فقيرة بالموارد كأعماق البحار. فهناك، على بعد كيلومترات تحت السطح، يصبح وصول حوت نافق أشبه بأحداث استثنائية يعول عليها الكثير من الكائنات للبقاء.

لم يكن المشهد مقتصراً على رؤوس أسماك القرش والسرطانات وهي تنهش اللحم، بل ظهرت أيضاً كائنات صغيرة متخصصة، مثل الديدان العظمية وهي من أغرب ما كشفته علوم البحار حتى اليوم. هذه الديدان قادرة على تحليل العظام نفسها بفضل إنزيماتها الغريبة، مستخرجة منها ما يلزمها من مواد مغذية. وهكذا تستمر الحياة حول الهيكل العظمي لسنوات أو حتى عقود كاملة، قبل أن يتحلل تماماً وتنتقل المعادن المتبقية إلى الكائنات الدقيقة وصغار القشريات.

وتتشابك هنا العلاقات حول "سقوط الحوت" بشكل مذهل، فكل مرحلة من تفكك الجسد تستدعي مجموعة جديدة من الكائنات: في البداية يستحوذ المفترسون مثل أسماك القرش على الوليمة، ثم تسيطر الكائنات الصغيرة كالبكتيريا والديدان على تحليل العظام والشحوم، وفي النهاية يصبح الهيكل محطة جذب للكثير من القشريات واللافقاريات وحتى بعض أنواع الشعاب المرجانية العميقة.

ولا تكمن أهمية سقوط الحيتان في الإشباع الطارئ فقط، بل تشكل هذه الحوادث البيئية فرصاً لدراسة تشابك النظم الطبيعية في قاع البحر. فقد أثبت العلماء أن هناك أنواعاً نادرة — من الحلزونيات والسرطانات وغيرها — تعتمد وجودها بالكامل تقريباً على هذه الولائم العملاقة وحلقاتها المتتالية، وتُعتبر الديدان العظمية والسراسيب وبعض أنواع الجمبري رمزاً لهذا التآزر المدهش بين المخلوقات في عالم البحر السحيق.

ذو صلة

وهذا يقودنا إلى أهمية دراسة هذا العالم الخفي بالنسبة لفهمنا الأكبر لصحة المحيطات. فتداعيات تغيُّر المناخ وصيد الأسماك الجائر وتلوث البحار تؤثر بشكل مباشر على حياة الحيتان، وبالتالي على النظام الإيكولوجي كله في الأعماق. ومن خلال متابعة سقوط الحوت والتغيرات المصاحبة له، يستطيع العلماء رصد مؤشرات حيوية عن صحة النظام البيئي البحري، ودراسة كيف تنتقل الطاقة والمغذيات ودورة الكربون في أعماق لا تصلها أشعة الشمس.

في النهاية، تبرهن ظاهرة "سقوط الحوت" أن أعماق المحيطات، ذلك العالم البعيد الغامض، ما تزال تحتضن منظومات حيوية ذات توازن دقيق ومذهل. ومع كل اكتشاف جديد، تتعمق قناعتنا بأن الحياة قادرة على ابتكار طرق بديعة للاستمرار حتى في أقسى الظروف. فكل جسد عملاق يسقط هناك يبعث حياة غير متوقعة، ويؤكد أن المحيط لا يكف عن إبهارنا بتنوعه وتعقيده وطاقته الكامنة.

ذو صلة