خرسانة ذاتية الإصلاح: تقنية حيوية تستمد طاقتها من الطبيعة لترميم الشروخ تلقائيًا

3 د
طور باحثون خرسانة ذاتية الإصلاح تستند إلى "الأشنة الاصطناعية" لتترمم الشروخ تلقائيًا.
تعتمد التقنية على بكتيريا زرقاء تحول الشمس والهواء إلى طاقة لتقوية الخرسانة.
تهدف التقنية لتقليل الأعطال والكوارث كالانهيارات بتكاليف صيانة أقل.
يبحث الخبراء تقبل استخدام الميكروبات وتحليل الأبعاد الأخلاقية والبيئية للتقنية.
الخرسانة الحيوية قد تتيح بناء مبانٍ مقاومة في بيئات قاسية على الأرض والفضاء.
هل تخيلت يومًا مادة بناء قادرة على علاج نفسها دون تدخل بشري؟ في خطوة ثورية قد تغير وجه قطاع الإنشاءات حول العالم، توصل فريق من الباحثين في الولايات المتحدة إلى تطوير خرسانة ذاتية الإصلاح تعتمد على "الأشنة الاصطناعية" – وهي نظام بيولوجي صغير يستوحي وظيفته من تآزر الكائنات الدقيقة، وعندما تشق الشقوق طريقها إلى قلب المادة، يبدأ هذا النظام في العمل فورًا، معتمدًا على الضوء، والهواء، وقليل من الماء فقط.
قد تتساءل: ما سر هذه التقنية المدهشة حقًا؟ لنبحر معًا في تفاصيلها المبتكرة. يقود هذه التجربة الدكتورة شوي جين، أستاذة مساعدة بجامعة تكساس إيه أند إم، وقد عملت مع فريقها على محاكاة التعايش الطبيعي الموجود في "الأشنة"، وهي كائنات تجمع بين فطريات وكائنات أخرى دقيقة (مثل البكتيريا الزرقاء أو الطحالب). في هذا النظام الاصطناعي الجديد، تلعب البكتيريا الزرقاء دورًا محوريًا في تحويل أشعة الشمس وثاني أكسيد الكربون من الهواء إلى طاقة، بينما تقوم الفطريات بتكوين معادن تملأ الشقوق وتقوي الخرسانة من الداخل.
تعتمد الخرسانة التقليدية على خليط من الحجر المسحوق، والرمل، والطين، والحجر الكلسي، وهي ثاني أكثر مادة تُستخدم بعد الماء في العالم. إلا أن ميلها للتشقق يظل نقطة ضعف جوهرية؛ فحتى أصغر الفتحات تفسح الطريق لتسرب المياه والأكسجين، ما قد يؤدي لتآكل الحديد وحدوث كوارث مثل انهيار الجسور أو المباني. ومع تراكم شروخ استمرت لسنوات في الطرق والجسور والأنفاق، أصبحت تكلفة الإصلاح والصيانة عبئًا سنويًا يقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات في الولايات المتحدة وحدها. وهذا يوضح لماذا يبحث العلماء والهندسيون بلا كلل عن حلول تقلل من أعطال الهياكل الخرسانية وتكلفتها الباهظة.
الابتكار: حياة في قلب الخرسانة
وتستمر قصة الحل المبتكر مع المحاولات السابقة لإنتاج خرسانة قادرة على علاج ذاتها، إذ اعتمدت النماذج السابقة على إضافة مغذيات خارجية أو تدخلات يدوية لتحفيز النشاط الحيوي داخل الشق. إلا أن التقنية الجديدة، التي تحاكي "الأشنة"، تتيح للميكروبات العمل بصورة تلقائية تمامًا؛ تستمد ما تحتاجه من الضوء والهواء والماء فقط، وتتيح بذلك آلية إصلاح ذاتية 100% من دون تدخل الإنسان. وقد أثبتت التجارب المخبرية أن هذه الميكروبات تنمو وتفرز معادن تسد الشقوق حتى في أوساط الخرسانة القاسية. وهذا يربط بين جهود البحث الطويلة وتطلعات القطاع الإنشائي لحلول ذات صيانة منخفضة وعمر افتراضي أطول للمباني والجسور.
من الاستدامة إلى الفضاء: آفاق لا محدودة
ومع انتقال هذه التقنية من المختبر إلى الحياة الواقعية، تتعاون الدكتورة جين مع خبراء اجتماعيين لدراسة مدى تقبّل استخدام الكائنات الحية في مواد البناء، إلى جانب بحث الجوانب الأخلاقية والبيئية والقانونية لهذا الابتكار. فإلى جانب تخفيض التكاليف وزيادة الصمود أمام العوامل القاسية، ترى جين وزملاؤها أن "الخرسانة الحيوية" قد تفتح الباب أمام تشييد مبانٍ مقاومة في بيئات صعبة على كوكب الأرض وربما في الفضاء مستقبلاً، مستفيدة من المرونة الفائقة للأشنة ورسوخها في أقسى الظروف.
هذه التطورات تؤكد التداخل المتزايد بين علم الأحياء والهندسة المدنية، وتسلط الضوء على مفاهيم مثل المواد الذكية، والتكامل بين الابتكار والاستدامة، وتفعيل دور الميكروبات ومبدأ الترميم التلقائي لصناعة بنية تحتية أكثر كفاءة وأمانًا.
ختامًا، يمكننا القول إن توظيف منهجيات الطبيعة في خدمة الهندسة يمثل نقلة نوعية واعدة. "الخرسانة الحيوية" ذاتية الإصلاح ليست إلا بداية لعهد جديد قد نرى فيه البنايات والجسور وهي تتعافى بصمت مع كل شق صغير، حفاظًا على الموارد والجهد والبشر، وبتناغم تام مع قوانين الطبيعة الذكية.
---