ديناصور بإصبعين فقط يقلب موازين العلم: اكتشاف منغولي يعيد كتابة تاريخ التطور

4 د
اكتُشف نوع جديد من الديناصورات في منغوليا يُدعى Duonychus tsogtbaatari يتميز بامتلاكه إصبعين فقط في أطرافه الأمامية، وهو أمر غير مسبوق في فصيلته.
شمل الاكتشاف مخلباً محفوظاً بغلافه الكيراتيني النادر، ما مكّن العلماء من دراسة شكل اليد وسلوك الديناصور بدقة.
يشير التحليل إلى أن الديناصور استخدم يده بشكل مختلف عن أقاربه، ربما لتغذية متخصصة أو سحب فروع نباتات عالية.
تُعد يد Duonychus مثالاً على التكيف التطوري وليس تشوهاً، مما يعيد رسم فهم العلماء لتطور الديناصورات وسلوكها.
في قلب صحراء غوبي القاحلة في منغوليا، اهتز عالم علم الحفريات على وقع اكتشاف غير مسبوق: نوع جديد من الديناصورات لا يمتلك سوى إصبعين في أطرافه الأمامية، بعكس الأنواع المعروفة من فصيلته. هذا الديناصور الغريب الذي عاش قبل 90 مليون سنة، لا يثير الدهشة بسبب عدد أصابعه فحسب، بل بسبب حالة حفظ مخالبه الاستثنائية التي تضمنت الغلاف الكيراتيني الأصلي – وهو عنصر نادر للغاية في سجل الحفريات.
بداية القصة: مخلب غيّر كل شيء
في عام 2012، عثر عمال أنابيب في تشكيل "بايانشيريه" الجيولوجي بمنغوليا على مخلب ضخم، لم يدركوا حينها أنه سيقود إلى واحد من أبرز الاكتشافات في السنوات الأخيرة. المخلب وصل في نهاية المطاف إلى الدكتور يوشيتسوغو كوباياشي من جامعة هوكايدو اليابانية، والذي أدرك على الفور أنه أمام شيء فريد.
يقول كوباياشي لموقع IFLScience:
"شعرت بالذهول الكامل... عرفت فوراً أنني أنظر إلى يد ديناصور من نوع ثيريزينوصور، لكنني لاحظت أنها تحوي إصبعين فقط. ظللت أحدق فيها وأتساءل: أين الإصبع الثالث؟ لم أصدق ما كنت أراه."
لكن المفاجأة لم تقتصر على عدد الأصابع، بل تجاوزتها إلى وجود غلاف الكيراتين الذي يغطي المخلب – وهو الجزء الذي يتآكل عادة ولا يُحفظ في الحفريات. يصف كوباياشي تلك اللحظة قائلاً:
"كان مخلباً حقيقياً كما كان في حياة الديناصور... كانت لحظة تلو الأخرى من الدهشة."
يد ديناصور لا مثيل لها
ديناصورات الثيريزينوصور معروفة أصلاً بغرابتها؛ فهي من آكلات النباتات، مكسوة بالريش، وتمتلك مخالب منحنية كالمناجل. لكن لم يُعثر قط على نوع يمتلك إصبعين فقط حتى الآن. حفظ الأحفورة كان مثالياً، ما مكّن العلماء من دراسة بنية اليد بدقة مذهلة.
البروفيسورة دارلا زيلينيتسكي من جامعة كالغاري، والتي درست العينة، قالت:
"اضطررت إلى فرك عينيّ. لم أرَ قط مخلب ديناصور بهذه الدرجة من الاكتمال. كان ضخماً، حاداً، ومهيباً بشكل لا يُصدق."
التحليل كشف أن غياب الإصبع الثالث لم يكن نتيجة تشوّه أو إصابة، بل كان نتيجة تطور مقصود. المفاصل في الكوع والمعصم كانت متصلبة، ما يشير إلى أن هذا الكائن – الذي أطلق عليه العلماء اسم Duonychus tsogtbaatari – كان يستخدم ذراعيه بطريقة تختلف تماماً عن أقاربه من الديناصورات الأخرى.
هل كانت مخالب للسلطة النباتية أم لأمر أكثر تعقيداً؟
رغم امتلاكها لمخالب مخيفة، لم تكن الثيريزينوصورات مفترسة. الغالب أنها استخدمت أصابعها لسحب الأغصان نحو فمها أثناء الرعي. إلا أن يد Duonychus ذات الإصبعين تبدو أنها تطورت لغرض مختلف.
توضح زيلينيتسكي:
"حتى مع إصبعين فقط، كانت يده فعّالة في القبض على النبات... لكن شكلهما الفريد يشير إلى أنه ربما كان يتغذى على أنواع معينة من النباتات بطريقة متخصصة."
التطور في تصميم اليد يعزز نظرية أن هذا الديناصور لم يكن شاذاً أو مريضاً، بل كائناً خضع لتكيف تطوري محدد ليلائم بيئته في غابات العصر الطباشيري المتأخر. فقد ساعدت بنية الذراع والرسغ الصلبة، إلى جانب الغلاف الكيراتيني المحفوظ، العلماء على فهم كيفية استخدام هذه الديناصورات لأيديها في الحياة الواقعية.
منظور جديد لتطور الديناصورات
تكشف هذه الأحفورة المذهلة عن فصل جديد في كتاب تطور الديناصورات، فصل لا تدور محاوره حول القوة والعدوان، بل حول الذكاء البيولوجي والتخصص الوظيفي. فحسب كوباياشي:
"ما بدا كأنه فقدان وظيفي هو في الحقيقة استراتيجية بقاء. هذه الديناصورات طورت أذرعها بشكل يخدم غرضاً معيناً."
يضيف:
"نحن لا ننظر فقط إلى شكل عظم، بل إلى لمحة من سلوك عاش منذ 90 مليون سنة. وهذا أمر يبعث على الذهول."
Duonychus: الغريب الذي يقلب قواعد اللعبة
الاسم العلمي الكامل للديناصور الجديد Duonychus tsogtbaatari، وقد سُمّي تكريماً لعالم الحفريات المنغولي تسوغتباطار. يطرح هذا الكائن أسئلة جديدة حول كيف تكيّفت الديناصورات مع بيئاتها المتغيرة، ومدى تنوعها في استغلال الأدوات الجسدية لأغراض غذائية وبيئية معقدة.
الاختزال المتعمد لعدد الأصابع ليس حدثاً غير مسبوق في التاريخ التطوري – فنحن نراه مثلاً لدى الطيور والثدييات – لكنه يُعد سابقة في سياق ديناصورات الثيريزينوصور، مما يفتح الباب لدراسات جديدة حول تطور السلوك الغذائي والتشريحي لدى الديناصورات.
في النهاية، لم يكن اكتشاف Duonychus مجرد إضافة اسم جديد إلى قائمة الديناصورات، بل نافذة نادرة على كيفية تصرفها وتكيفها. فكل عظمة في هيكله تحكي قصة عن الماضي، وكل تفصيل صغير – مثل غلاف مخلب كيراتيني محفوظ – قد يعيد تشكيل نظرتنا إلى عالم ما قبل التاريخ.