ذكاء اصطناعي

شريحة بحجم الإبهام تمهد لعصر جديد في علاج السرطان واستكشاف أسرار الكون

محمد كمال
محمد كمال

3 د

شريحة صغيرة تتجاوز حجم الإبهام تعد بثورة علمية في الطب والفيزياء.

تقنية كوانتية جديدة قد تحول أفكار الخيال العلمي إلى واقع ملموس.

يمكن تطوير ليزر أشعة غاما دقيق لاستهداف الخلايا السرطانية بشكل انتقائي.

فتح آفاق جديدة لتصغير الأجهزة الضخمة في الفيزياء والطب.

التقنيات الجديدة تساعد في استكشاف نظريات الأكوان وكشف أسرار الكون.

هل تخيلت يوماً أن شريحة صغيرة لا يتجاوز حجمها حجم الإبهام قد تشكل الانطلاقة لثورة علمية تغير وجه الطب والفيزياء؟ في مختبرات جامعة كولورادو دنفر، نجح فريق من العلماء في ابتكار تقنية كوانتية حديثة تعد بتحويل أفكار الخيال العلمي إلى واقع ملموس، بدءاً من تطوير ليزر أشعة غاما الفائق القادر على القضاء على الخلايا السرطانية، ووصولاً إلى استكشاف نظريات متعددة الأكوان وكشف أسرار المادة والطاقة في عمق تكوين الكون.

الأمر بدأ عندما اكتشف الدكتور آكاش سهى، الأستاذ المساعد في قسم الهندسة الكهربائية، طريقة لصناعة مادة تشبه الرقاقة (الرقاقة الذكية) تتحمل تدفق الجسيمات عالية الطاقة وتمكن العلماء من توليد مجالات كهرومغناطيسية متطرفة كانت في السابق تتطلب منشآت ضخمة جداً مثل مصادم الهدرونات الكبير في سويسرا. هذه الاختراعات المدهشة دفعت مجلة "Advanced Quantum Technologies" لوضع بحث سهى على غلاف عددها لشهر يونيو، مشيرة إلى احتمال أن تتغير مفاهيمنا عن الفيزياء، والكيمياء، بل والطب قريباً.

حلم الجيل القادم من الليزر والاستكشاف العلمي
في سياق الحديث عن استخدامات هذه الشريحة الذكية الجديدة، يوضح سهى أن التحكم في تدفق هذه الطاقة العالية مع الحفاظ على هيكل المادة الداخلي كان لغزاً استعصى على العلماء لعقود. الآن، وبفضل استخدام السيليكون وعلوم المواد الحديثة، بات بالإمكان توليد مجالات كهرومغناطيسية هائلة من خلال اهتزازات الإلكترونات داخل المادة، دون الحاجة لمنشآت بطول عشرات الكيلومترات. هذه التقنيات تفتح أمامنا الباب لتصغير أجهزة ضخمة، كالمصادمات النووية ومعجلات الجسيمات، إلى حجيرات ضئيلة يمكن وضعها على رقاقة إلكترونية.

وهذا الإنجاز لا يقف عند حدود الفيزياء النظرية وحسب، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتقنيات الطب المتقدم. فالعلماء يتخيلون إمكان تطوير ليزرات أشعة غاما دقيقة يمكنها استهداف نوى الذرات داخل الخلايا السرطانية، وتدميرها بشكل انتقائي دون المساس بالخلايا السليمة المحيطة. بهذه الطريقة، قد نشهد ثورة في علاج السرطان وتقنيات التصوير الطبي في المستقبل القريب.

آفاق التطبيق: من علاج السرطان إلى استكشاف الأكوان المتعددة
إذا استمر التطوير بنفس الزخم، فإن هذه الرقاقة قد تمكن العلماء من إجراء تجارب لاكتشاف طبيعة المادة المظلمة، وفهم البنية العميقة للكون. ويمكن استخدام هذه التقنية في مجالات عديدة مثل النانو تكنولوجي، الهندسة الوراثية، وتطوير المعالجات الإلكترونية الفائقة السرعة.

ويضيف كاليان تيرومالاسينيتي، طالب الدكتوراه والباحث الرئيسي في المشروع، أن فهمنا للطبيعة على المستوى الكوانتي يتيح لنا اختراع أدوات تحدث فرقاً حقيقياً في حياة البشر. فبدلاً من مجرد مراقبة الكون، تمنحهم هذه التكنولوجيا القدرة على التدخل النشط في أصغر التفاصيل.

ترابط المعرفة العلمية والتطبيق العملي
نجاح الفريق لم يأتِ بين ليلة وضحاها، بل هو نتيجة لسنوات من البحث وتعاون مستمر مع مختبر SLAC الوطني في جامعة ستانفورد. كما عمل الباحثون على تسجيل براءات اختراع مؤقتة في الولايات المتحدة وعدة دول حول التقنية، الأمر الذي يمهد الطريق أمام تطبيقات عملية ضخمة خلال السنوات القادمة.

ذو صلة

وما يزيد من أهمية هذا الابتكار هو أنه يعكس تحولاً في أسلوب البحث العلمي؛ إذ أصبح بإمكان المجتمعات العلمية الدخول إلى ميادين كانت حكراً على الدول أو المؤسسات الضخمة، وإجراء تجارب على ظواهر كبرى كالثقوب السوداء، أو فحص افتراضيات مثل نظرية الأكوان المتعددة لستيفن هوكينغ، دون عناء بناء منشآت هائلة.

خاتمة: شريحة صغيرة... وطموح بلا حدود
إذا تأملنا المشهد نجد أن الثورة القادمة في العلوم، سواء في الطب أو الفيزياء أو مجال الإلكترونيات المتقدمة، قد تبدأ من شريحة إلكترونية متناهية الصغر. خطوة واحدة من هذا النوع قد تفتح أبواباً جديدة لاكتشاف أسرار الكون، أو تقديم علاجات شافية لأمراض مستعصية كالسرطان. وبينما يستكمل فريق كولورادو دنفر أبحاثه، يبقى الأفق مفتوحاً أمام جميع الحالمين بعصر جديد، تتحول فيه حدود الخيال العلمي إلى واقع ينبض بالحياة وسط رقاقات لا تتجاوز راحة اليد.

ذو صلة