مادة خارقة بتصميم الذكاء الاصطناعي تجمع بين خفة الريش وصلابة الفولاذ

3 د
تم تصميم مادة جديدة باستخدام الذكاء الاصطناعي، تجمع بين الخفة والصلابة.
تمتزج تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد والتعلم الآلي لإنشاء تصاميم نانوية مبتكرة.
تتفوق المادة الجديدة على التيتانيوم بخفة وزنها وقدرتها على التحمل.
تساهم المادة في تقليل البصمة الكربونية للطيران وتحسين الكفاءة الاقتصادية.
يمثل الإنتاج واسع النطاق للمادة تحديًا لتعزيز استخدامها في الصناعة.
هل تتخيل أن يصبح بالإمكان بناء مكونات الطائرات والسيارات من مادة تجمع بين وزن الريشة وصلابة الحديد؟ هذا ليس حلمًا بعيد المنال، بل إن فريقًا من العلماء التوصل مؤخرًا إلى تصميم مادة مبتكرة باستخدام الذكاء الاصطناعي، خفيفة للغاية مثل الفوم (الستايروفوم) لكنها تتمتع بقوة تفوق قوة الفولاذ.
المادة الجديدة هذه، والتي ظهرت للنور بفضل تضافر تقنيات التعلم الآلي والطباعة ثلاثية الأبعاد، قد تغيّر قواعد اللعبة في قطاعات الطيران، صناعة المركبات، وحتى استكشاف الفضاء. ففي حين أن التصميمات القديمة كانت دائمًا محصورة بين خيارين متناقضين – ضرورة خفة الوزن أو السعي وراء المتانة – تأتي هذه المادة لتعيد صياغة المعادلة.
ينبع جوهر هذا الابتكار من استخدام الذكاء الاصطناعي في وضع بصمة خاصة على التركيبة النانوية. إذ اعتمد الباحثون في البداية على محاكاة عشرات الأشكال الهندسية متناهية الصغر (ما يُعرف بالنانو-معمارية)، حيث يتم بناء المادة من وحدات بالغة الصغر لا يتجاوز سمكها واحدًا من مئة من شعرة الإنسان. بعد ذلك، جرى إعطاء هذه التصاميم إلى خوارزمية تعلم آلي كي تتعلم منها وتحلل عوامل التوزيع الأمثل للإجهادات والحمل. هذه الخطوة سمحت للذكاء الاصطناعي باقتراح أشكال هندسية لم تخطر من قبل ببال المهندسين، قادرة على توزيع الضغط والصدمات بكفاءة غير مسبوقة.
وهنا يكمن الرابط بين احتياجات الصناعات الثقيلة وبين إمكانيات ثورة الذكاء الاصطناعي في التأثير على طبيعة المواد نفسها؛ فبدلاً من محاولة تقوية المواد الموجودة أصلًا أو تحسينها تدريجيًا، أتاح الذكاء الاصطناعي قفزة نوعية في كيفية التصور والتصميم من الأساس.
كيف تتفوق المادة الجديدة على التيتانيوم؟
من بين الإنجازات اللافتة، كشفت الاختبارات أن المادة النانوية الجديدة قادرة على تحمل قوى إجهاد تصل إلى 2.03 ميغاباسكال لكل متر مكعب مقابل كل كيلوغرام، أي بقوة تزيد بنحو خمسة أضعاف عن قدرات التيتانيوم المعروف بخفته وصلابته. هذه النتائج استوقفت حتى صناعها؛ إذ لم تكن الخوارزميات تُعيد تكرار التصميمات الناجحة فحسب، بل طورت تراكيب جديدة مختلفة كليًا، ما يؤشر إلى ذكاء اصطناعي قادر بالفعل على الإبداع الهندسي.
ولهذا الإنجاز أهمية مضاعفة في عوالم الطيران والسيارات، حيث يمثل كل كيلوغرام واحد يتم توفيره في وزن الطائرة مثلًا، توفيرًا يُقدّر بنحو 80 لترًا من الوقود سنويًا. من هنا، يصبح تقليل البصمة الكربونية للطيران هدفًا أقرب، دون التضحية بمتطلبات الأمان أو الأداء العالي.
وانطلاقًا من هذه النقطة، يتضح أن تطوير مواد تجمع بين القوة وخفة الوزن يمكن أن ينعكس اقتصاديًا وبيئيًا، ويمنح المركبات قدرة أعلى على التحمل على امتداد سنوات الخدمة، وبالتالي يقلل من تكاليف التشغيل والصيانة على المدى البعيد.
تحديات ووعود المستقبل
يتركز التحدي الأكبر الآن في تطوير عمليات إنتاج واسعة النطاق للمادة الجديدة كي يُمكن اعتمادها خارج المختبر، وصياغة تصاميم أكبر للأجزاء الحيوية في المركبات والطائرات. إضافة إلى ذلك، يعمل الباحثون على مزيد من التجارب للوصول إلى تراكيب أفضل عبر التعلم الآلي المتواصل، مستفيدين من تقدم الحوسبة وتقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد، وهذه النقطة توضح كيف أن تلاقي التكنولوجيا والهندسة يتيح فتح آفاق لم نعهدها من قبل في تطوير المواد الذكية.
وهكذا، يمكن أن نتصور مستقبلاً لا يكون فيه الاعتماد محصورًا على المعادن الثقيلة فقط بل على مواد "ذكية" تستطيع تحقيق معجزة الوزن الخفيف مع الأداء الفائق، ويعود ذلك كله إلى توافق خيال الإنسان مع قوة الذكاء الاصطناعي في فتح مجالات جديدة للابتكار.
وباختصار، نستطيع القول إن دمج الذكاء الاصطناعي مع تقنيات التصنيع المتقدمة لم يعد مجرد رفاهية أو تصورًا مستقبليًا بعيدًا. فالمادة الجديدة، القادرة على منافسة الفولاذ والتيتانيوم وهي بوزن الفوم، قد تكون المفتاح لأجيال جديدة من الطائرات، السيارات، بل وربما حتى البنى التحتية الذكية في المستقبل القريب. كل ذلك يحمل إشارة واضحة: عصر المواد الخارقة قد بدأ يطرق أبوابنا بالفعل.