محليات صناعية تعرقل فعالية علاج السرطان: ما الذي كشفته دراسة السُكرالوز؟

3 د
الدراسة تشير إلى أن السكرالوز قد يُضعف فعالية العلاج المناعي للسرطان.
تمت ملاحظة تراجع تنوع بكتيريا الأمعاء لدى الفئران عند تناول السكرالوز.
حتى كميات صغيرة من السكرالوز اقترنت بتراجع استجابة العلاج لدى مرضى السرطان.
الميكروبيوم المعوي يلعب دورًا حيويًا في نجاح العلاجات المناعية للسرطان.
قد تُخفف مكملات الأرجينين من تأثير السكرالوز السلبي على المناعة.
لا شك أن غزو المحليات الصناعية مثل السكرالوز (المعروف تجارياً باسم سبليندا) لحياتنا اليومية أصبح ظاهرة، خاصة بين الباحثين عن خيارات أقل في السعرات الحرارية. لكن هل تخيلت يوماً أن هذه الحلويات الخالية من السكر قد تتسبب بتقليل فعالية علاجات منقذة للحياة مثل العلاج المناعي للسرطان؟ دراسة جديدة تفتح الباب أمام تساؤلات مهمة حول علاقتنا مع بدائل السكر وصحتنا المناعية.
تشير الدراسة التي نشرت مؤخراً في مجلة "كانسر ديسكوفري" إلى أن مرضى السرطان ممن يتناولون السكرالوز قد يواجهون استجابة أضعف للعلاج المناعي، مقارنةً بمن لا يستخدمون هذا المُحلي. ولفهم الصورة أوضح، يجب أن نلقي نظرة سريعة على كيفية عمل العلاج المناعي؛ فهو يعتمد على تحفيز الجهاز المناعي - وبالتحديد خلايا الـ"تي" (T-cells) - لمحاربة الخلايا السرطانية بشكل أكثر فاعلية.
ولم تستند هذه النتائج إلى التجارب السريرية وحدها، بل بدأت باختبارات موسعة على حيوانات التجارب. قام الباحثون بتغذية الفئران المصابة بأنواع مشابهة من السرطان للأنواع التي تصيب البشر بكميات من السكرالوز تماثل ما قد يتناوله الإنسان العادي. كانت النتيجة تراجع تنوع بكتيريا الأمعاء (المعروفة بـ"الميكروبيوم المعوي")، مما أثر سلباً على فعالية الخلايا المناعية. وفي حين أن استخدام سكر المائدة لم يؤثر بنفس الطريقة، كان للسكرالوز أثر واضح في خفض مستويات الحمض الأميني "أرجينين"، الذي يلعب دوراً في تقوية المناعة ومقاومة السرطان.
نتائج البحث على الفئران دفعت الفريق لدراسة تأثير السكرالوز على البشر. شملت المتابعة 132 مريضاً يعانون من سرطان الجلد المتقدم أو سرطان الرئة غير صغير الخلايا أثناء تلقّيهم العلاج المناعي من نوع “مضاد المستقبل PD1”، وهو علاج حديث يستهدف طرق تحايل السرطان على دفاعات الجسم الطبيعية. طُلب من المرضى توثيق نظامهم الغذائي بدقة، بما في ذلك كمية استهلاك المحليات الصناعية. المفاجأة كانت واضحة: حتى كميات صغيرة جداً من السكرالوز – أقل بكثير من الحد الأعلى الذي تسمح به الجهات الصحية الأمريكية – اقترنت بتراجع استجابة المرضى للعلاج.
هذه النتائج المثيرة سلطت الضوء من جديد على أهمية "الميكروبيوم المعوي" في الصحة العامة، حيث ظهر بوضوح أن توازن بكتيريا الأمعاء لا يعزّز عملية الهضم فحسب، بل يمكن أن يصنع الفارق بين نجاح أو تعثر العلاجات المناعية للسرطان. لهذا، قد يصبح من الضروري أن يتم فحص عادات الطعام، حتى تلك التي تبدو بسيطة أو آمنة مثل استخدام المحليات الصناعية، ضمن خطة علاجية شاملة للمرضى.
وفي سياق الحديث عن الحلول المحتملة، اقترح فريق البحث أن دعم النظام الغذائي بمكملات تحتوي على الأحماض الأمينية مثل الأرجينين أو السيترولين يمكن أن يُخفّف من الأثر السلبي للسكرالوز على جهاز المناعة. إلا أن بعض خبراء الأورام السرطانية يرون ضرورة مراجعة هذه التوصيات بشكل دقيق مع الأطباء قبل الإقدام على أي تغيير في المكملات الغذائية، نظراً للتفاوت في استجابة الأجسام والتخوّفات من تعميم النتائج قبل إجراء دراسات موسعة على مجموعات أكبر من المرضى وأنواع مختلفة من السرطانات.
آفاق وأبحاث قادمة:
وبالعودة إلى السياق العام، يعد هذا البحث جزءاً من سلسلة متزايدة من الدراسات التي تربط بين أنماط الحياة الحديثة - مثل التغذية الصناعية وتناول السكريات المصنعة - وبين نتائج علاجات السرطان والمناعة. كما ينوي العلماء توسيع نطاق التجارب، لدراسة أثر أنواع أخرى من البدائل الصناعية على المرضى الخاضعين للعلاج المناعي. من المتوقع أن تخرج في السنوات القادمة أبحاث أشمل توضح أفضل الطرق لتحقيق التوازن بين سهولة الحياة العصرية ومقتضيات الصحة.
وهكذا، نجد أنفسنا أمام حقيقة جديدة تفرض علينا كأشخاص واعين تجديد نظرتنا إلى المنتجات اليومية التي نستهلكها. فبينما تبدو المحليات الصناعية آمنة وغير ضارة، تكشف الأبحاث يوماً بعد يوم عن وجه جديد يدعونا للحذر في التعامل معها، خصوصاً لدى أصحاب الأمراض المزمنة أو من يخضعون لعلاجات معقدة مثل علاجات المناعة للسرطان. الخلاصة البسيطة: علم الأحياء أبعد من أن يتلخص في “سعرات حرارية أقل”، توازن البكتيريا في أمعائنا قد يكون السر الضائع في رحلتنا نحو الشفاء والصحة المثلى.