الدائرة الزرقاء التي لا تختفي في واتساب: مساعد ذكي أم عين مفتوحة تهدد الخصوصية؟

4 د
ظهرت علامة زرقاء في واتساب تشير إلى دمج مساعد Meta AI داخل التطبيق.
يقدّم المساعد إجابات ويولّد محتوى، لكنه يجمع بيانات المستخدمين ويثير مخاوف الخصوصية.
لا يمكن تعطيل المساعد أو إزالته من التطبيق، لكنه لا يُفعّل إلا عند التفاعل المباشر.
ينصح الخبراء بعدم التفاعل معه ومراجعة إعدادات الخصوصية بانتظام لحماية البيانات.
في خطوة أثارت الكثير من التساؤلات والجدل، بدأت تظهر علامة زرقاء متوهجة على واجهة تطبيق "واتساب" لدى عدد متزايد من المستخدمين. هذا الرمز الغريب، الذي بدا للكثيرين في البداية غامضاً، هو في الواقع إعلان غير مباشر عن دمج تقنية الذكاء الاصطناعي من شركة "ميتا" – المالكة لتطبيق واتساب – داخل التطبيق ذاته، في توسّع جديد يطال أسواق أوروبا والعالم.
بداية التغيير: ما هي الدائرة الزرقاء في واتساب؟
وفقاً لما كشفه "آلان جونز"، الرئيس التنفيذي لشركة YEO Messaging، فإن هذه الدائرة الزرقاء ترمز إلى إدخال مساعد "Meta AI" الذكي إلى واجهة المحادثة في واتساب، وكذلك على منصات ميتا الأخرى مثل فيسبوك وإنستغرام. أصبح بإمكان المستخدمين الآن التفاعل مباشرة مع هذا المساعد من خلال النقر على الدائرة أو ذكره باستخدام "@Meta AI" ضمن الدردشة.
ورغم أن الهدف الظاهري لهذا التحديث هو تسهيل الحصول على إجابات سريعة وتوليد محتوى أو استخراج معلومات من الإنترنت، إلا أن المخاوف بدأت تتصاعد سريعاً حول ما قد يعنيه هذا التغيير من الناحية الأمنية والخصوصية.
المساعد الذكي: أداة مساعدة أم مدخل لمراقبة المستخدمين؟
تشرح "كارين لادورت"، مؤسسة Kay Flawless، أن وظيفة المساعد هي تقديم إجابات فورية وتحسين تجربة المستخدم داخل التطبيق. لكن "جونز" يحذر من أن هذا التكامل يعني إضافة طبقة جديدة من معالجة البيانات، وربما التتبع، داخل التطبيق الذي طالما تباهى بسياسة التشفير من الطرف إلى الطرف.
وبحسب جونز، فإن المساعد يبدو صديقاً للمستخدم على السطح، لكنه في الواقع يفتح نافذة جديدة تطل منها خوادم ميتا على سلوك المستخدم وتفاعلاته. وهو أمر، كما يرى، يجب التعامل معه بحذر شديد، خصوصاً أن الأحاديث مع الذكاء الاصطناعي لا تخضع لتشفير "end-to-end".
هل يستطيع ميتا قراءة رسائل المستخدمين؟
تؤكد شركة ميتا، في إرشادات الخصوصية الخاصة بها، أن المحادثات الخاصة بين الأصدقاء والعائلة في واتساب لا يمكن قراءتها، نظراً لحمايتها بتقنية التشفير من الطرفين. كما أن أي تواصل يتم مع Meta AI لا يرتبط بحساب المستخدم على فيسبوك أو إنستغرام.
لكن الخبراء يرون أن هذه الضمانات لا تكشف القصة الكاملة. فرغم عدم القدرة على قراءة محتوى الرسائل، تستطيع ميتا الوصول إلى ما يُعرف بـ"الميتاداتا" أو بيانات الاستخدام، مثل توقيت المحادثات والأشخاص المتواصل معهم، بحسب "كريستيان تورود"، المدير والمؤسس لشركة Crystaline.
ويوضح تورود أن كل تفاعل مع Meta AI يتم تخزينه على خوادم الشركة، وقد يُستخدم في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي المستقبلية، مما يزيد من مساحة التعرض للبيانات الشخصية.
مخاطر الخصوصية المحتملة
يشير "جيك مور"، مستشار الأمن السيبراني لدى شركة ESET، إلى أن الذكاء الاصطناعي يتغذى على البيانات، وميتا بالفعل تملك كماً هائلاً من المعلومات حول مستخدميها. لكن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى واتساب قد يُمكِّن الشركة من "إكمال قطع الأحجية" لرسم صورة شاملة عن كل مستخدم.
ويضيف أن ردود مساعد Meta AI قد تكون مبنية على تفاعلات سابقة مع خدمات ميتا الأخرى، ما يفتح باباً واسعاً للتقاطع بين البيانات من مختلف التطبيقات، وهو ما يقلق دعاة الخصوصية.
من جانبه، يرى جونز أن المشكلة الكبرى تكمن في مفهومي "السيادة على البيانات" و"الرضا الواعي". فالكثير من المستخدمين قد لا يدركون أنهم – بمجرد استخدام المساعد – يقدمون طوعاً بيانات شخصية أو مهنية قد تُستغل لاحقاً في الإعلانات أو تدريب أنظمة ذكاء اصطناعي.
ويحذر جونز من خطورة هذا الأمر في البيئات المهنية، حيث قد يؤدي ذلك إلى تسريب بيانات حساسة أو خطط استراتيجية دون أن ينتبه المستخدمون لذلك.
هل يمكن إيقاف Meta AI؟
للأسف، لا. لا تتيح ميتا حالياً خياراً لتعطيل أو إزالة المساعد من التطبيق. وبحسب جونز، فإن البنية التحتية الخاصة بالمساعد تبقى فعّالة داخل التطبيق، حتى إن لم يتفاعل المستخدم معه. ويضيف أن بعض البيانات، كأنماط الاستخدام، قد تُجمع حتى دون استخدام المساعد بشكل مباشر.
وترى "لادورت" أن الإضافة أُدرجت دون موافقة واضحة أو خيار "انسحاب"، ما أثار استياء عدد كبير من المستخدمين الذين اعتبروها انتهاكاً لحقهم في التحكم بتجربتهم الرقمية.
في المقابل، تؤكد ميتا أن الخدمة اختيارية بالكامل، ولا يتم تفعيلها إلا عندما يُبادر المستخدم بالتفاعل معها. وتمنح الشركة أيضاً خيار حذف المحادثات السابقة مع المساعد من سجل البيانات.
خطوات لحماية بياناتك من Meta AI
تنصح "لادورت" المستخدمين المهتمين بحماية خصوصيتهم بتجنب النقر على الدائرة الزرقاء أو ذكر @Meta AI في المحادثات، والابتعاد عن أي تفاعل مباشر مع المساعد.
كما توصي بمراجعة إعدادات الخصوصية داخل واتساب بانتظام، وتعديل الأذونات للتقليل من كمية البيانات التي يمكن مشاركتها.
أما "تورود"، فيقترح استخدام تطبيقات أخرى أكثر أماناً وخالية من تكامل الذكاء الاصطناعي، مثل Signal، خاصة عند مشاركة معلومات حساسة أو خاصة. ويضيف أن تعطيل النسخ الاحتياطي السحابي قد يكون خطوة مفيدة أيضاً.
خاتمة: التقنية تتقدم... لكن الخصوصية إلى أين؟
يبدو أن المساعد الذكي من ميتا جاء ليبقى، وأن قدراته وعمليات جمعه للبيانات ستتوسع مع مرور الوقت. وبينما تبقى رسائل واتساب مشفّرة، فإن أي تفاعل مع المساعد يُخضع المستخدم لنطاق مختلف من جمع البيانات وتحليل السلوك. وفي ظل غياب خيارات "رفض" أو "انسحاب"، لم يعد أمام المستخدمين سوى التوعية والتعامل الحذر.